كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

«ألا ترى أنَّك تقول سبحان الله، من هو وما هو! فهذا استفهام فيه معنى التعجب. ولو كان خبرًا لم يجز ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز في الخبر أَنْ تقول: من هو، وتسكت») (¬1).
وقد يصح سكوت المُتَكَلِّم بدون وجود خبر في الجملة وذلك لأَنَّ سياق الحال يتكفل بتحديد هذا الخبر للمخاطب، أي أَنَّ المُتَكَلِّم لم يذكر الخبر لعلمه أَنَّ سياق الحال سيُمَكِّنُ المخاطبَ من تحديده، يقول سيبويه في: «هذا باب ما يَحسن عليه السكوتُ في هذه الأحرف الخمسة) إِنَّ وأخواتها (»: « ... ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحدٌ إِنَّ الناس ألْبٌ عليكم، فيقول: إِنَّ زيدا، وإنَّ عمرا؛ أي: إِنَّ لنا») (¬2).
إن سكوت المُتَكَلِّم دليل على وصول فائدة إليه، فائدة لم تكن معلومة لديه من قبل. ولَعلَّ هذا يرتبط بإشارة سيبويه إلى الجملة الاسمِيَّة بأنَّها «جملة واجبة») (¬3)، التي تعني عنده أنَّها «جملة خبرِيِّة تحتمل الصدق والكذب») (¬4).
وفي بعض الأحيان تتضافر بقية مكونات سياق الحال مع المُتَكَلِّم والمخاطب في تحديد الخبر وتحديد دلالته الخبرِيِّة، وفي أَنَّهُ يحمل فائدة للمخاطب. يقول سيبويه: «وتقول: «قد جربتك؛ فوجدتُك أنت أنت». فأنت الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كَأَنَّك قلت: فوجدتك وجهُك طليقٌ. والمعنى أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف ... كما تقول: الناس الناس؛ أي: الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف») (¬5).
إن الكلمتين «أنت أنت» قد تكونان في سياق آخر مجرد توكيد لفظي، ولَكِنَّهما في سياق ما مع حسن سكوت المُتَكَلِّم قد تكونان جملة مفيدة تحمل فائدة للمخاطب.
¬_________
(¬1) سيبويه: الكتاب، 2/ 181، وينظر الموضع: 2/ 176، 1/ 417، وقد استخدم سيبويه حسن السكوت في تصحيح كثير من التراكيب اللُّغَوِيَّة في عدد من الأبواب النَّحْوِيَّة مثل النداء 2/ 188 ومع باب الفاء ووظائفها 3/ 69، وباب المنفي المضاف بلام الإضافة 2/ 281 وسبق أن أشرنا في الفصل السابق أن المُتَكَلِّم وحسن سكوته لعبا دورا في التوجيه النحوي وفي إثرائه.
(¬2) سيبويه: الكتاب، 2/ 141
(¬3) ينظر: سيبويه: الكتاب، 2/ 146
(¬4) د. محمد إبراهيم عبادة: معجم مصطلحات النحو والصرف والعروض والقافية، ص 295
(¬5) سيبويه: الكتاب، 2/ 359

الصفحة 195