كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه
يعدله بالثاني») (¬1). ومن خلال هذا النَّصّ يمكن أَنْ نقول إِنَّ من المصطلحات التراثيَّة التي تطلق على سياق حال) سابق (القصة.
ولا ينحصر تأثير السِّياق على أم في كونها تفيد التعيين أم لا، بل قد يُخرج السِّياق هذا التعيين المستفاد من «أم» إلى غرض بلاغي، مثل «تنبيه المُتَكَلِّم للمخاطب وتبصيره وإعلامه» كما لاحظ سيبويه، يقول: «ألا ترى أَنَّ الرجل يقول للرجل: آلسعادة أحب إليك أم الشقاء؟ وقد علم أَنَّ السعادة أحب إليه من الشقاء، وأنَّ المسئول سيقول: السعادة، ولَكِنَّه أراد أَنْ يبصر صاحبه وأنْ يعلمه») (¬2).
قال المبرد: «كقولك للرجل: السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ لتوقفه أنَّه على خطأ وعلى ما يصيِّره إلى الشقاء») (¬3).
ويؤثِّر السِّياق أيضا في «أم»، فقد تأتي لتعبِّر عن حالة من الشك أو الظن يقع فيها المُتَكَلِّم
يقول: «ومن ذلك أيضًا: أعندك زيدٌ أم لا، كَأَنَّه حيث قال: أعندك زيدٌ، كان يظن أَنَّهُ عنده ثُمَّ أدركه مثل ذلك الظن في أَنَّهُ ليس عنده فقال: أم لا») (¬4).
وتأتي «أم» وتفيد «الانقطاع»، وتسمى أم «المنقطعة»، وهي: «التي تقع ــــ في الغالب ــــ بين جملتين مستقلتين في معناهما، كل منهما معنى خاص يخالف معنى الآخر، ولا يتوقَّف أداء أحدهما وتمامه على الآخر؛ فليس بين المعنيين ما يجعل أحدهما جزءًا من الثاني») (¬5).
ويُعَبِّر سيبويه عن هذا الانقطاع من خلال تخيل سياق حال بسيط مكون من متكلم
ومخاطبين، يقول: «ويدلك على أَنَّ هذا الآخر منقطعٌ من الأول قول الرجل: إنِّها لإبلٌ، ثُمَّ يقول: أم شاءٌ يا قوم») (¬6). ويمكن أَنْ نكمل نحن الجوانب الناقصة من هذا المشهد؛ فنقول: إِنَّ المُتَكَلِّم وحوله مجموعة من الناس، نظر فرأى على بعد مجموعة من الإبل فجزم على سبيل اليقين أنَّها إبل، ثُمَّ أخذ يدقِّق النظر، وبعد حين يتبيَّن له أنَّها شاء.
5 ــــ ومما يرتبط بسياق الحال ويُؤَثِّر في أسلوب العطف ما يسميه العلماء بـ «الاستئناف».
¬_________
(¬1) سيبويه: الكتاب، 3/ 170
(¬2) سيبويه: الكتاب، 3/ 173
(¬3) المقتضب، 3/ 292
(¬4) سيبويه: الكتاب، 3/ 174
(¬5) أ/ عباس حسن: النحو الوافي، 3/ 597
(¬6) سيبويه: الكتاب، 3/ 172