كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

مبغضٌ، وأنك مشتهٍ. فإنْ عنيت قلت: ما أفعله، إِنَّمَا تعني به هذا المعنى. وتقول: ما أمقته وما أبغضه إلي، إِنَّمَا تريد أَنَّهُ مقيتٌ، وأنَّه مبغضٌ إليك») (¬1).
والفرق الدِّلَالِيّ الذي يريد سيبويه أَنْ يثبته في صيغة اسم التفضيل هذه، هو أَنَّ «كلّ ما كان بـ) اللاّم (فهو للفاعل، وما كان بـ) إلى (فهو للمفعول؛ فإذا قلتَ: ما أبغضني له، فأنت المُبْغِضُ الكارهُ، وإذا قلتَ: ما أبغضني إليه، فأنت المَبْغُوضُ المَكْرُوه») (¬2). ولا شكَّ أنَّ اختيار التركيب المناسب يتوقف على ما يدور في نفس المتكلم وسياقه.
***

4 ــــ أسلوب النداء:
أسلوب النداء من الأساليب التي تتصل بسياق الحال، وهو من ألصق الأساليب به. وهو أسلوب لا بدَّ أَنْ يكون بين طرفين: «مُنَادَى»، «مُنادِي».
وأُوْلَى الملحوظات المُهِمَّة التي يسجلها سيبويه عن النداء، أَنَّهُ الأسلوب الذي يُبْدَأُ به الكلام أبدا. فما من كلام يبدأ إلا بالنداء. يقول في نصّ مُهِمّ وخطير:
«ولأَنَّ أوَّل الكلام أبدا النداء، إلا أَنْ تدعه استغناء بإقبال المخاطَب عليك، فهو أول كل كلام لك به تعطف المكلَّم عليك، فلما كثر وكان الأول في كل موضع، حذفوا منه تخفيفا؛ لأنهم مما يغيرون الأكثر في كلامهم») (¬3).
هذا النَّصّ من النصوص التي يجب أَنْ تسترعي انتباه الباحثين دراسة وفهمًا. إِنَّ مما يبوح به هذا النَّصّ أَنَّ الاستخدام الأساسي للنداء هو «عطفُ المُكَلَّم للمتكلم»؛ وهذا يعني أَنَّ أي كلام لا بد أَنْ يكون له طرفان: «مُنَادَى مخاطب»، «مُنادِي متكلم». والحوار الذي يدور بين متكلم ومخاطب لا بد أَنْ يسبق بسياق يجمع بين الطرفين؛ إذ لا يعقل أَنْ يتكلم شخص مع شخص آخر بدون سبب سِياقِيّ، لذلك قال الرَّضِيّ: «النداء ليس مقصودا بالذات، بل هو لتنبيه المخاطب ليصغي إلى ما يجئ بعده من الكلام المنادى له») (¬4).
¬_________
(¬1) سيبويه: الكتاب، 4/ 99 ــــ 100
(¬2) ابن الصائغ: اللمحة في شرح الملحة، ت: إبراهيم سالم الساعدي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط 1، ) 1424 هـ ـــ 2004 م (، 1/ 515
(¬3) سيبويه: الكتاب، 2/ 208
(¬4) شرح الرَّضِيّ على كافية ابن الحاجب، القسم الأول ص 486

الصفحة 262