كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

ولكي نظهر هذا الفرق الدقيق بين استخدام مصطلحي: المدح والتعظيم، يجب أولا الوقوف على «الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية لكلمة المدح».
في هذا الشأن تحدثنا معاجم الفروق اللُّغَوِيَّة أَنَّ كلمة «المدح» لها الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية الآتية:
1 ـــ المدح يكون للحي وغير الحي كاللؤلؤ واليواقيت الثمينة.
2 ـــ يكون قبل الإحسان وبعده.
3 ـــ وأنَّه قد يكون منهيًّا عنه شرعا.
4 ـــ أنَّه قد يكون بأقوال تدلُّ على أَنَّ صاحبها مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره.
5 ـــ أنَّه يكون بالفعل والصفة؛ وذلك أَنْ يمدح الرجل بإحسانه إلى نفسه وإلى غيره وأَنْ يمدحه بحسن وجهه، وطول قامته، ويمدحه بصفات التعظيم من نحو قادر، وحكيم) (¬1).
ونخرج من هذه الملامح بأمرين:
» أن التعظيم أخص من المدح؛ فليس كل مدح تعظيما.
» وواضح من هذه الصفات والملامح الدِّلالِيَّة أَنَّ العرف يتدخل بطريق غير مباشر في تحديدها، فليس من العرف أَنْ يمدح اللؤلؤ والياقوت، وليس من العرف أَنْ يمدح المحسن قبل إحسانه، وليس من العرف المبالغة والإكثار من المدح مما يستوجب نهي الشارع، وليس من العرف المدح بجمال الوجه وطول القامة.
أي أَنَّ العرف يفرق بين ما قد يكون مدحا وبين ما قد يكون تعظيما.
فعندما أقول: «مررت بعبد الله جميلَ الوجه»؛ و «وسلمت على محمدٍ طويلَ القامة» فَإِنَّ الكلمتين «جميل، طويل» قد تنصبان ويكون النصب على المدح؛ أي بتقدير أمدح، ولا يصح النصب على التعظيم؛ لأَنَّ جمال الوجه وطول القامة ليسا من الصفات «المتعارف عليها بين الناس بالتعظيم والتفخيم والتبجيل والتكبير».
وعندما نقول: «مررت بعبد الله الصالحَ»، إذا أردنا النصب فَإِنَّ الأفضل والأحسن ــــ إذا عُرف عن عبد الله صفة الصلاح وتهيَّأت ظروف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ـــــ أَنْ نقول إِنَّ كلمة «الصالحَ» منصوبة على التعظيم.
إنَّ الفرق بين التعظيم والمدح كان واضحا في ذهن سيبويه، لذلك كان في منتهى الدقة عند استعماله لمصطلح التعظيم.
¬_________
(¬1) أبو هلال العسكري: معجم الفروق اللُّغَوِيَّة، ط 1، ) 1412 هـ (، ص 202

الصفحة 280