كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه
على هذا نقول إِنَّ بل قد يأتي بها المُتَكَلِّم لتفادي الخطأ والنسيان الذي قد يقع فيه. ونلاحظ هنا في هذا النَّصّ ارتباط الأداة «بل» ـــ في بعض استعمالاتها ـــ بما أسماه النُّحَاة بدل الغلط، وبدل النسيان) (¬1).
وقد تأتي «بل» في بعض استعمالاتها الأخرى مرتبطة بالنعت، ففي نصّ لسيبويه يربط فيه بين الأداة «بل» وبين شكل من أشكال النعت، ونمط من أنماطه فيقول: «ومنه أيضًا)؛ أي من أشكال النعت (: مررتُ برجل صالحٍ بل طالحٍ، وما مررتُ برجلٍ كَريمٍ بل لئيمٍ، أَبدلتَ الصفةَ الآخِرَةَ من الصفة الأولى، وأُشركَتْ بينهما بَلْ فى الإِجراءِ على المنعوت. وكذلك: مررتُ برجل صالحٍ بل طالحٍ، ولَكِنَّه يجيءُ على النَّسيان أو الغَلطِ، فيَتداركُ كلامَه؛ لأَنَّه ابتدأ بواجب») (¬2).
من خلال النصين الأخيرين نخرج بالآتي:
• أن الأداة «بل» فى حال كونها ابتدائية تفيد الإضراب قد تأتي لتحل «مشكلة نُطْقِية ذهنية» في الجملة ناتجة عن «نسيان أو غلط المُتَكَلِّم»: أي أَنَّ الذي تسبب في وجود هذه الأداة في الأساس في الجملة هو المُتَكَلِّم نسيانا أو خطأ.
• ونلاحظ أَنَّ هذه الأداة مرتبطة بالمُتَكَلِّم «فقط»، فهو ـــ فيما أظن وأعتقد ـــ الذي استخدم هذه الأداة منعزلا عن السِّياق المحيط به، فهي أداة أتت لإصلاح «خطأ مفاجئ» ـــ إِنْ جاز هذا
التعبير ـــ وقع فيه المُتَكَلِّم. وقد يؤَيِّد هذا قول أحد النُّحَاة عن بل حينما تأتي مع بدل النسيان أو الغلط يقول: «والبَدَلُ المُباينُ بأقسامهِ لا يقعُ في كلامِ البُلغَاءِ. والبليغُ إِنْ وقع في شيءٍ منها أتى بين البدل والمبدَل منه بكلمةِ «بل» دلالةً على غلطهِ أو نسيانهِ أو إِضرابه») (¬3).
***
¬_________
(¬1) يحدثنا النُّحَاة عن نوع من البدل يسمى بدل المباينة، ويقسم النُّحَاة هذا النوع من البدل إلى ثلاثة أنواع: بدل الغلط، بدل النسيان، بدل الإضراب. فقالوا في تعريف بدل الغلط: ((وهو الذي يذكر فيه المبدل منه غلطا لسانيا، ويجيء البدل بعده لتصحيح الغلط. وذلك بأن يجري اللسان بالمتبوع من غير قصد، ثم ينكشف هذا الغلط والخطأ للمتكلم سريعا؛ فيذكر البدل، ليتدارك به الخطأ اللساني ويصححه. فالغلط إِنَّمَا هو في ذكر المبدل منه، لا في البدل)) وبدل النسيان: ((هو الذي يذكر فيه المبدل منه قصدا، ويتبين للمتكلم فساد قصده؛ فيعدل عنه ويذكر البدل الذي هو الصواب؛ نحو: ((صليت أمس العصر، الظهر، في الحقل))، فقد قصد المُتَكَلِّم النص على صلاة العصر، ثم تبين له أنه نسي حقيقة الوقت الذي صلاه، وأنه ليس العصر؛ فبادر إلى ذكر الحقيقة التي تذكرها؛ وهي:
((الظهر))، فكلمة: ((الظهر)) بدل مقصود من كلمة: ((العصر)) بدل نسيان. والفرق بين هذا البدل وسابقه أن الغلط يكون من اللسان. إما النسيان فمن العقل)). ينظر: النحو الوافي، 3/ 670 ـــ 671
(¬2) سيبويه: الكتاب، 1/ 434
(¬3) مصطفى بن محمد سليم الغلايينى: جامع الدروس العَرَبِيَّة، 3/ 238