كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

وصفة الإبهام التي وصف بها سيبويه اسم الإشارة «ذاكَ» ليست مقصورة قطعا على هذا الاسم بعينه، بل هي تنسحب على بقية الأسماء التي تذكر تحت مصطلح اسم الإشارة) (¬1)، وهي: «تا، وتي، وذي، وته، وذه، وتهي، وذهي، وذان، وذين، وتان، وتين، وأولاء مدّا وقصرا».
وعند البحث عن معنى «الإبهام» الذي يقصده سيبويه في نصه مع اسم الإشارة «ذاكَ» وجدنا ابن يعيش يقول: «ويقال لهذه الأسماء) أسماء الإشارة (: مبهماتٌ؛ لأنها تشير بها إلى كل ما بحضرتك، وقد يكون بحضرتك أشياء، فتُلْبِس على المخاطب، فلم يدر إلى أيِّها تشير، فكانت مبهمة لذلك؛ ولذلك لزمها البيانُ بالصفة عند الإلباس. ومعنى الإشارة الإيماء إلى حاضر بجارحةٍ أو ما يقوم مقامَ الجارحة؛ فيتعرفُ بذلك؛ فتعريفُ الإشارة أَنْ تخصِّص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسَّةِ البَصَرِ، وسائرِ المعارف هو أَنْ تختصّ شخصًا يعرفه المخاطبُ بقلبه؛ فلذلك قال
النَّحْوِيّون: إِن أسماء الإشارة تتعرّف بشيئَيْن: بالعين وبالقلب») (¬2).
إن هذا التحديد لكلمة «المبهم» في نصّ سيبويه والذي أوضحه ابن يعيش يدلُّ على أَنَّ أسماء الإشارة تتطلب سياق حال لكي يستطيع «المُتَكَلِّم» تحديد الدِّلَالَة السِّياقِيَّة لهذا الاسم.
ومن الدلالات السياقية التي استنبطها النحاة لأسماء الإشارة الدلالات الآتية) (¬3):
1 ــــ تمييز الشيء المقصود أكمل تمييز بالإشارة المحسوسة إليه.
2 ــــ تنزيل الأشياء المعقولة، أو غير المشاهدة منزلة الأشياء المحسوسة المشاهدة.
3 ــــ بيان حال المشار إليه في القرب والبعد.
4 ــــ التعظيم.
5 ــــ التحقير.
6 ــــ التعريض بغباوة المخاطب.
وإشارة أسماء الإشارة ـــ كما يفهم من نص سيبويه ـــ إلى «مسمّى معروف بين المُتَكَلِّم والمخاطب» يسهم في «ترابط النَّصّ وتماسكه»؛ لذلك اهتَمَّ بها علماء «نحو النَّصّ» ودرسوها تحت ما أسموه «وسائل الاتساق الإحالِيَّة»، وقالوا في تعريفها: «هي تلك الألفاظ التي نعتمد عليها لتحديد المُحال إليه داخل النَّصّ أو خارجه، [أو هي ـــ كما قال هاليدي ـــ] الأدوات التي نعتمد في فهمنا لها
¬_________
(¬1) قال ابن يعيش: ((فالمعرفة ما دَلَّ على شيء بعينه؛ وهو على خمسة أضرب: العلم الخاص، والمضمر، والمبهم وهو شيئان: أسماء الإشارة، والموصولات، والداخل عليه حرف التعريف والمضاف إلى أحد هؤلاء إضافة حقيقة))، ينظر: شرح المُفَصّل: 3/ 347
(¬2) ابن يعيش: شرح المُفَصّل، 2/ 352
(¬3) د. فاضل السامرائي: معاني النحو، 1/ 88

الصفحة 302