كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه
ومما يسترعي النظر أَنَّ معنى التعجب الذي ربطه سيبويه بـ «وَيْح» لم نجده بوضوح كاف ـــ حسبما وقفنا ـــ عند النُّحَاة من بعده، بل ذكروا أَنَّ «الْوَيْح: كلمة ترحُّم، تقال لمن وقع في هلكة لا
يستحقها») (¬1). وقالوا أيضا إنها «كلمة ترحُّم وتوجُّع») (¬2). وزادت بعض المصادر على الترحم والتوجع إظهارَ الشفقة؛ فقالت: «ويح: كلمة استعملتها العرب في معنى الترحم والتوجع وإظهار الشفقة») (¬3). وثمة فرق واضح بين معنى التعجب ومعنى الترحم والتوجع وإظهار الشفقة.
وتعليل هذا الاختلاف يمكن أَنْ يكون بسبب حدوث تطور دلالي في استعمال الكلمة، فانتقلت دِلالِيًّا من التعجب إلى الترحم والتوجع وإظهار الشفقة.
***
13 ـــ الأداة «ياء النسب والألف والنون»:
من النصوص التي نقرؤها عند سيبويه نصه التالي: «فمن ذلك قولهم في الطَّويل الجَّمة: جُمَّانيٌّ، وفي الطَّويل اللِّحْية: اللحيانيِّ، وفي الغليظ الرقبة: الرقبانيِّ. فإنْ سميت برقبة أو جُمة أو لحية قلت: رَقَبِيٌّ ولِحْييٌّ وجُمِّيٌّ ولِحَوِيٌّ، وذلك لأَنَّ المعنى قد تحول، إِنَّمَا أردت حيث قلت: جُمَّانيٌّ الطويلَ الجُمَّة، وحيث قلت: اللِّحياني الطَّويل اللِّحية، فلما لم تعن ذلك أجري مجرى نظائره التي ليس فيهاذلك المعنى») (¬4).
وقد فهمنا من كلامه أَنَّ الاسم المنسوب بدون الألف والنون يدل على مجرد دلالة النسب، فكلمة «لِحْييّ») (¬5) مختومة بياء مشددة تدلُّ على نسبة الاسم المتصل بها إلى ((اللحية))؛ أَمَّا كلمة
((لحياني)) فتدل على المعنى السابق مع زيادة الاختصاص والمبالغة و «كمال الصفة في هذا الاسم») (¬6).
وكذلك كلمة «شَعْرَانِيّ» تدلُّ على أنَّ الاسم «خُصَّ بكثرة الشَّعر» و «رقباني» تدل على «غلظ
الرقبة») (¬7).
¬_________
(¬1) الرَّضِيّ الأستراباذي: شرح شافية ابن الحاجب، 4/ 103
(¬2) السابق: 4/ 446
(¬3) د. علي توفيق الحمد: المعجم الوافي في أدوات النحو العربي، ص 364
(¬4) سيبويه: الكتاب، 3/ 380
(¬5) على قياس عند الخليل، ولِحَوِيّ على قياس عند يُونُس كما قال السيرافي، 4/ 131
(¬6) الرازي: مفاتيح الغيب، 8/ 271، عند تفسير الآيات 79 إلى 80
(¬7) النيسابوري: التفسير البسيط، 5/ 381