كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

في ليلة مرضت من كل ناحية فما يحس بها نجم ولا قمر وعلى ضعف القلب وفتوره كما قاله غير واحد ويطلق مجازا على ما يعرض المرء مما يخل بكمال نفسه كالبغضاء والغفلة وسوء العقيدة والحسد وغير ذلك من موانع الكمالات المشابهة لإختلال البدن المانع عن الملاذ والمؤدية إلى الهلاك الروحاني الذي هو أعظم من الهلاك الجسماني والمنقول عن إبن مسعود وإبن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض في الآية على المعنى المجازي ولا شك أن قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي منعتهم مما منعتهم وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من النار ولا مانع عند بعضهم أن يحمل المرض أيضا على حقيقته الذي هو الظلمة ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وكذا على الألم فإن في قلوب أولئك ألما عظيما بواسطة شوكة الإسلام وإنتظام أمورهم غاية الإنتظام فالآية على هذا محتملة للمعنيين ونصب القرينة المانعة في المجاز إنما يشترط في تعيينه دون إحتماله فإذا تضمن نكتة ساوى الحقيقة فيمكن الحمل عليهما نظرا إلى الأصالة والنكتة إلا أنه يرد هنا أن الألم مطلقا ليس حقيقة المرض بل حقيقته الألم لسوء المزاج وهو مفقود في المنافقين والقول بأن حالهم التي هم عليها تقضي إليه في غاية الركاكة على أن قلوب أولئك لو كانت مريضة لكانت أجسامهم كذلك أو لكان الحمام عاجلهم ويشهد لذلك الحديث النبوي والقانون الطبي أما الأول فلقوله : إن في الجسد مضغة الحديث وأما الثاني فلأن الحكماء بعد أن بينوا تشريح القلب قالوا إذا حصلت فيه مادة غليظة فإن تمكنت منه ومن غلافه أو من أحدهما عاجلت المنية صاحبه وإن لم تتمكن تأخرت الحياة مدة يسيرة ولا سبيل إلى بقائها مع مرض القلب فالأولى دراية ورواية حمله على المعنى المجازي ومنه الجبن والخور وقد ادخل ذلك قلوب المنافقين حين شاهدوا من رسول الله والمؤمنين ما شاهدوا والتنوين للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض ولم يجمع كما جمع القلوب لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلا فأكتفى بجمعها عن جمعه والجملة الأولى إما مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق أو مقررة لما يفيده وما هم بمؤمنين من إستمرار عدم إيمانهم أو تعليل له كأنه قيل : ما بالهم لا يؤمنون فقال : في قلوبهم مرض يمنعه أو مقررة لعدم الشعور وإن كان سبيل قوله : وما يشعرون سبيل الإعتراض على ما قيل وجملة فزادهم الله مرضا إما دعائية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه والمعترضة قد تقترن بالفاء كما في قوله : وأعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كلما قدرا كما صرح في التلويح وغيره نقلا عن النحاة أو إخبارية معطوفة على الأولى وعطف الماضي على الأسمية لنكتة إن أريد في الأولى أن ذلك لم يزل غضا طريا إلى زمن الأخبار وفي الثانية أن ذلك سبب لأزدياد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس فطرتهم لأزدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنين شفاء ولا يتكرر هذا مع قوله تعالى : يمدهم في طغيانهم للفرق بين زيادة المرض وزيادة الطغيان على أنه لا مانع من زيادة التوكيد مع بعد المسافة وأيضا الدعاء إن لم يكن جاريا على لسان العباد أو مرادا به مجرد السب والتنقيص يكون إيجابا منه سبحانه فيؤول إلى ما آل إليه الأخبار وزيادة الله تعالى مرضهم إما بتضعيف حسدهم بزيادة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين أو ظلمة قلوبهم بتجدد كفرهم بما ينزله سبحانه شيئا فشيئا من الآيات والذكر الحكيم فهم في ظلمات بعضها فوق بعض أو بتكثير خوفهم ورعبهم المترتب عليه ترك مجاهرتهم بالكفر بسبب

الصفحة 149