كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
إمداد الله تعالى الإسلام ورفع أعلامه على أعلام الأعزاز والأحترام أو بإعظام الألم بزيادة الغموم وإيقاد نيران الهموم والغم يخترم النفوس نحافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم ويكون ذلك بتكاليف الله تعالى لهم المتجددة وفعلهم لها مع كفرهم بها وبتكليف النبي لهم ببعض الأمور وتخلفهم عنه الجالب لما يكرهونه من لومهم وسوء الظن بهم فيغتمون إن فعلوا وإن تركوا ونسبة الزيادة إلى الله تعالى حقيقة ولو فسرت بالطبع فإنه سبحانه الفاعل الحقيقي بالأسباب وبغيرها ولا يقبح منه شيء وبعضهم جعل الأسناد مجازا في بعض الوجوه ولعله نزعة إعتزالية وأغرب بعضهم فقال الأسناد مجازي كيفما كان المرض وحمل على أن المراد أنه ليس هنا من يزيدهم مرضا حقيقة على رأي الشيخ عبدالقاهر في أنه لا يلزم في الأسناد المجازي أن يكون للفعل فاعل يكون الأسناد إليه حقيقة مثل يزيدك وجهه حسنا إذا مازدته نظرا فتدبر وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما إرتكابا لحذف المضافأي فزاد الله قلوبهم مرضاأو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد أو رمزا إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنسانا وإعادة مرض منكرا لكونه مغايرا للأول ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه وتوهم من زعم أنه من وضع المظهر موضع المضمر والتنكير للتفخيم والأليم فعيل من الألم بمعنى مفعل كالسميع بمعنى مسمع وعلى ما ذهب إليه الزمخشري من ألم الثلاثي كوجيع وإسناده إلى العذاب مجاز على حد جد جده ولم يثبت عنده فعيل بمعنى مفعل وجعل بديع السموات من باب الصفة المشبهة أي بديعة سمواته وسميع في قوله : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع بمعنى سامع أي أمن ريحانة داع من قلبي سامع لدعا داعيها بدليل ما بعده فإن أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها فعلى هذا يكون تفسيره بمؤلم أسم فاعل بيان لحاصل المعنى وقد أخرج إبن ابي حاتم عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما : كل شيء في القرآن أليم فهو موجع وقد جمع للمنافقين نوعان من العذاب عظيم وأليم وذلك للتخصيص بالذكر هنا والإندراج مع الكفار هناك قيل : وهذه الجملة معترضة لبيان وعيد النفاق والخداع والباء إما للسببية أو للبدلية و ما إما مصدرية مؤولة بمصدر كان إن كان أو بمصدر متصيد من الخبر كالكذب وإما موصولة وأستظهره أبو البقاء بأن الضمير المقدر عائد على ما أورده في البحر بأنه لا يلزم أن يكون ثم مقدر بل من قرأ يكذبون بالتخفيف وهم الكوفيون فالفعل غير متعد ومن قرأ بالتشديد كنافع وإبن كثير وأبي عمر فالمفعول محذوف لفهم المعنى والتقدير بكونهم يكذبون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما جاء به ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف للمبالغة في الكيف كما قالوا فيبان الشيء وبين وصدق وصدق وقد يكون التضعيف للزيادة في الكم كموتت الإبل ويحتمل أن يكون من كذب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه وتلك حال المتحير وهي حال المنافق ففي الكلام حينئذ إستعارة تبعية تمثيلية ويشهد لهذا المعنى قوله : مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة والجار والمجرور صفة لعذاب لا لأليم كما قاله أبو البقاء لأن الأصل في الصفة أن لا توصف والكذب هو الأخبار عن الشيء النسبة أو الموضوع على خلاف