كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
ما هو عليه في نفس الأمر عندنا وفي الإعتقاد عند النظام وفيهما عند الجاحظ وكل مقصود محمود يمكن التواصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب إن كان واجبا وصرح في الحديث بجوازه في ثلاث مواطن في الحرب وإصلاح ذات البين وكذب الرجل لإمرأته ليرضيها ولا حصر ولهذا جاز تلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار فينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضررا فله الكذب وإن كان عكسه أو شك حرم عليه فما قاله الإمام البيضاوي عفا الله تعالى عنه من أن الكذب حرام كله يوشك أن يكون مما سها فيه وفي الآية تحريض للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق فإن المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو هو تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب وتصور سماجته فأنزجر عنه أعظم إنزجار وهذا ظاهر على قراءة التخفيف ويمكن في غيرها أيضا لأن نسبة الصادق إلى الكذب كذب وكذا كثرته وإن تكلف في المعنى الأخير وقيل : إنه مأخوذ من كذب المتعدي كأنه يكذب رأيه فيقف لينظر لكن لما كثر إستعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها أمكنعلى بعد بعيدذلك التحريض ولا يرد على تحريم الكذبفي بعض وجوههما روى في حديث الشفاعة عن إبراهيم عليه السلام أنه يقول : لست لها إني كذبت ثلاث كذباتوعني كما في رواية أحمد إني سقيم و بل فعله كبيرهم وقوله الملك في جواب سؤاله عن أمرأته سارة : هي أختي حين أراد غصبها وكان من طريق السياسة التعرض لذات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن فإنها إن كانت من الكذب المحرم فأين العصمة وهو أبو الأنبياء ! وإن لم تكن كذلك فقد أخبر يوم القيامة بخلاف الواقع وحاشاه حيث أن المفهوم من ذلك الكلام أني أذنبت فأستحي أن اشفع وهل يستحي مما لا إثم فيه ولقوة هذه الشبهة قطع الرازي بكذب الرواية صيانة لساحة إبراهيم عليه السلام لأنا نقول إن ذلك من المعاريض وفيها مندوحة عن الكذب وقد صدرت من سيد أولى العصمة كقوله مما في حديث الهجرة وتسميته كذبا على سبيل الإستعارة للإشتراك في الصورة فهي من المعاريض الصادقة كما ستراه بأحسن وجه إن شاء الله تعالى في موضعه لكنها لما كانت مبينة على لين العريكة مع الأعداء ومثله ممن تكفل الله تعالى بحمايته يناسبه المبارزة فلعدوله عن الأولى بمقامهعد ذلك في ذلك المقام ذنبا وسماه كذبا لكونه على صور وما وقع لنبينا عليه الصلاة و السلام من ذلك لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيي منه فلكل مقام مقال على أنا نقول إنها لو كانت كذبا حقيقة لا ضرر فيها ولا إستحياء منها كيف وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم : ما منها كذبة إلا جادل بها عن دين الله تعالى فهي من الكذب المباح لكن لما كان مقام الشفاعة هو المقام المحمود المخبوء للحبيب لا الخليل أظهر الأستحياء للدفع عنه بما يظن أنه مما يوجب ذلك وهو لا يوجبه وفي ذلك من التواضع وإظهار العجز والدفع بالتي هي أحسن مما لا يخفى فكأنه قال : أنا لا آمن من العتاب على كذب مباح فكيف لي بالشفاعة لكم في هذا المقام فليحفظ ثم إن الإتيان بالأفعال المضارعة في أخبار الأفعال الماضية الناقصة أمر مستفيض كأصبح يقول كذا وكادت تزيغ قلوب فريق منهم ومعناه أنه في الماضي كان مستمرا متجددا بتعاقب الأمثال والمضي والأستقبال بالنسبة لزمان الحكم وقد عد الإستمرار من معاني كان فلا إشكال في بما كانوا يكذبون حيث دلت كان على إنتساب الكذب إليهم في الماضي ويكذبون على إنتسابه في الحال والأستقبال