كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

والزمان فيهما مختلف ودفعه بأن كان دالة على الإستمرار في جميع الأزمنة ويكذب وندل على الإستمرار التجددي الداخل في جميع الأزمنة على علاته يغني الله تعالى عنه وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ووافقه إبن ذكوان في إمالة جاء وشاء وزاد هذه وعنه خلاف في زاد غيرها والإمالة لتميم والتفخيم للحجاز وقد نظم أبو حيان تلك العشرة فقال : وعشرة أفعال تمال لحمزة فجاء وشاء ضاق ران وكم لا بزاد وخاب طاب خاف معا وحاق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون 11 أختلف في هذه الجملة فقيل معطوفة على يكذبون لأنه أقرب وليفيد تسببه للعذاب أيضا وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها كما يحترز عن الكذب ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه داخل في حيز صلة الموصول الواقع سببا إذ المعنى في قولهم : إنما نحن مصلحون إنكارا لإدعائهم أن ما نسب لهم منه صلاح وهو عناد وإصرار على الفساد والإصرار على ذلك فساد وإثم وهذا الذي مال إليه الزمخشري وهو مبني على عدم الإحتياج إلى ضمير في الجملةيعود إلى ما فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا يكون التقدير ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم إلخ وهو غير منتظم وكأن من يجعل ما مصدرية يجعل الوصل بكان حيث لم يعهد وصلها بالجملة الشرطية نعم يرد أن قوله تعالى : إنما نحن مصلحون كذب فيؤول المعنى إلى إستحقاق العذاب بالكذب وعطف التفسير مما يأباه الذوق والإستعمال ومن هنا قيل : بأن هذا العطف وجيه على قراءة يكذبون بالتشديد على أحد إحتمالاته ليكون سببا للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب وقول مولانا مفتي الديار الرومية في الإعتراض : أن هذا النحو من التعليل حقه أن يكون بأوصاف ظاهرة العلية مسلمة الثبوت للموصوف غنية عن البيان لشهرة الإتصاف بها عند السامع أو لسبق الذكر صريحا أو إستلزاما ولا ريب في أن هذه الشرطية غير معلومة الإنتساب بوجه حتى تستحق الإنتظام في سلك التعليل لا يخفى ما فيه على من أمعن النظر وقيل : معطوفة على يقول لسلامته مما في ذلك العطف من الدغدغة ولتكون الآيات حينئذ على نمط تعديد قبائحهم وإفادتها إتصافهم بكل من تلك الأوصاف إستقلالا وقصدا ودلالتها على لحوق العذاب بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم فما ظنك بسائرها ولكون هذا الماضي لمكان إذا مستقبلا حسن العطف وفيه أن مآل هذه الجملة الكذب كما اشير إليه فلا تغاير سابقها ولو سلم التغاير بالإعتبار وضم القيود فهي جزء الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم الإستقلال وأيضا كون ذلك الكذب أدنى أحوالهم لا يقبل عند من له أدنى عقل على أن تخلل البيان والإستئناف وإن لم يكن أجنبيا بين أجزاء الصلة أو الصفة لا يخلو عن إستهجان فالذي أميل إليه وأعول دون هذين الأمرين عليه ما تاره المدقق في الكشف وقريب منه كلام أبي حيان في البحر أنها معطوفة على قوله : ومن الناس من يقول لبيان حالهم في إدعاء الإيمان وكذبهم فيه أولا ثم بيان حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسنا والفساد صلاحا ثانيا ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال وإن لزم فيه عطف الفعلية على الأسمية فهو أرجح بحسب السياق ونمط تعديد القبائح وما قيل عليه إنه ليس مما يعتد به وإن توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني وذلك لعدم دلالته على إندراج هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن حينئذ عود الضمائر

الصفحة 152