كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

التي فيها إليهم كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى دربة بأساليب الكلامكلا خارج عن دائرة الأنصاف كما يشهد به سلامة الفطرة من داء التعصب والإعتساف فإن عود الضمائر رابط للصفات بهم وسوق الكلام مناد عليه وقد يأتي في القصة الواحدة جملة مستأنفة بغير عطف فإذا لم ينافه الإستئناف رأسا كيف ينافيه العطف على أوله المستأنف والعطف إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص وأصحابها وما أخرجه إبن جرير عن سلمان رضي الله تعالى عنهمن أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعدليس المراد به أنها مخصوصة بقوم آخرين كما يشعر به الظاهر بل إنها لا تختص بمن كان من المنافقين وإن نزلت فيهم إذ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم ثم القائل للمنافقين في عصر النزول هذا القول إما النبي تبليغا عن الله سبحانه المخبر له بنفاقهم أو أنه عليه الصلاة و السلام بلغه عنهم ذلك ولم يقطع به فنصحهم فأجابوه بما أجابوه أو بعض المؤمنين الظانين بهم المتفرسين بنور الإيمان فيهم أو بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله منهم لأمر ما فينقلب واعظا لهم قائلا لا تفسدوا والفساد التغير عن حالة الإعتدال والإستقامة ونقيضه الصلاح والمعنى لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفسادوهو هنا الكفر كما قاله إبن عباسأو المعاصيكما قاله أبو العاليةأو النفاق الذي صافوا به الكفار فأطلعوهم على أسرار المؤمنين فإن كل ذلك يؤديولو بالوسائطإلى خراب الأرض وقلة الخير ونزع البركة وتعطل المنافع وإذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله ممن شاركهم في الكفر يحمل الفساد على هيج الحروب والفتن الموجب لإنتفاء الإستقامة ومشغولية الناس بعضهم ببعض فيهلك الحرث والنسل ولعل النهي عن ذلك لخور أو تأمل في العاقبة وإراحة النفس عما ضرره أكبر من نفعه مما تميل إليه الحذاق على أن في أذهان كثير من الكفار إذ ذاك توقع ما يغني عن القتال من وقوع مكروه بالمؤمنين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلف والمراد منالأرضجنسها أو المدينة المنورة والحمل على جميع الأرض ليس بشيء إذ تعريف المفرد يفيد إستيعاب الأفراد لا الأجزاء اللهم إلا أن يعتبر كل بقعة أرضا لكن يبقى أنه لا معنى لحمل على الإستغراق بإعتبار تحقق الحكم في فرد واحد وليس ذكر الأرض لمجرد التأكيد بل في ذلك تنبيه على أن الفساد واقع في دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها وخولكم بنعمها وأقبح خلق الله من بات عاصيا لمن بات في نعمائه يتقلب وإنما للحصر كما جرى عليه بعضا النحويين وأهل الأصول وأختار في البحر أن الحصر يفهم من السياق ولم تدل عليه وضعا وجعل القول بكونها مركبة من ما النافية دخل عليها أن التي للإثبات فأفادت الحصر قولا ركيكا صادر عن غير عارف بالنحو ومعنى إنما نحن مصلحون مقصورون على الإصلاح المحض الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد وقد بلغ في الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا إما ناشيء عن جهل مركب فأعتقدوا الفساد صلاحا فأصروا وأستكبروا إستكبارا يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وإما جار على عادتهم في الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم وقرأ هشام والكسائي قيل بإشمام الضم ليكون دالا على الواو المنقلبة وقول : بإخلاص الضم وسكون الواو لغة لهذيل ولم يقرأ بها
ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 21 رد لدعواهم المحكية على أبلغ وجه حيث سلك فيه مسلك الإستئناف المؤدي إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع مع تأكيد الحكم وتحقيقه بأن وألا بناء

الصفحة 153