كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
على تركبها من همزة الإستفهام الأنكاري الذي هو نفي معنى ولا النافية فهو نفي فيفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره ولإفادتها التحقيق كما قال ناصر الدين : لا يكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم كان واللام وحرف النهي والذي أرتضاه الكثير أنها بسيطة لا لأنها تدخل على أن المشددة و لا النافية لا تدخل عليها إذ قد يقال أنفسخ بعد التركيب حكمها الأصلي بل لأن الأصل البساطة ودعوى لا يكاد إلخ لا تكاد تسلم كيف وقد دخلت على رب وحبذا ويا النداء فيألا رب يوم صالح لك منهماوألا حبذا هند وأرض بها هندوألا ياقيس والضحاك سيراوضم إلى ذلك تعريف الخبر وتوسيط الفصل وأشار ب لا يشعرون على وجه إلى أن كونهم من المفسدين قد ظهر ظهور المحسوس بالمشاعر وإن لم يدركوه وأتى سبحانه بالإستدراك هنا ولم يأت به بعد المخادعة لأن المخادعة هناك لم يتقدمها ما يتوهم منه الشعور توهما يقتضي تعقيبه بالرفع بخلاف ما هنا فإنهم لما نهوا عما تعاطوه من الفساد الذي لا يخفى على ذوي العقول فأجابوه بإدعاء أنهم على خلافه وأخبر سبحانه بفسادهم كانوا حقيقين بالعلم به مع أنهم ليسوا كذلك فكان محلا للإستدراك وما يقال : من أنه لا ذم على من أفسد ولم يعلم وإنما الذم على من أفسد عن علم يدفعه أن المقصر في العلم مع التمكن منه مذموم بلا ريب بل ربما يقال إنه أسوأ حالا من غيره وهذا كله على تقدير أن يكون مفعول لا يشعرون محذوفا مقدرا بأنهم مفسدون ويحتمل أن يقدر أن وبال ذلك الفساد يرجع إليهم أو أنا نعلم أنهم مفسدون ويكون ألا إنهم هم المفسدون لإفادة لازم فائدة الخبر بناء على أنهم عالمون بالخبر جاحدون له كما هو عادتهم المستمرة ويبعد هذا إذا كان المنافقون أهل كتاب ويحتمل أن لا ينوي محذوف وهو أبلغ في الذم وفيه مزيد تسلية له إذ من كان من أهل الجهل لا ينبغي للعالم أن يكترث بمخالفته وفي التأويلاتلعلم الهدىإن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم فلو كان حقيقة العلم شرطا للتكليف ولا علم لهم به لم يكن صنيعهم إفسادا لأن الإفساد إرتكاب المنهي عنه فإذا لم يكن النهي قائما عليهم عن النفاق لم يكن فعلهم إفسادا فحيث كان إفسادا دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حجة عليهم وهذه المسألة متفرعة على مسألة مقارنة القدرة للفعل وعدمها وأنت تعلم أنه مع قيام الإحتمال يقعد على العجز الإستدلال وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس إشارة إلى التحلية بالحاء المهملةكما أن لا تفسدوا إشارة إلى التخلية بالخاء المعجمةولذا قدم وليس هنا ما يدل على أن الأعمال داخلة في كمال الإيمان أو في حقيقتهكما قيللأن إعتبار ترك الفساد لدلالته على التكذيب المنافي للإيمان وحذف المؤمن به لظهوره أو أريد أفعلوا الإيمان و الكاف في موضع نصب وأكثر النحاة يجعلونها نعتا لمصدر محذوف اي إيمانا كما آمن الناس وسيبويه لا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في هذا الموضع ويجعلها منصوبة على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل وللم تجعل متعلقة بآمنوا والظرف لغو بناء على أن الكاف لا تكون كذلك و ما إما مصدرية أو كافة ولم تجعل موصولة لما فيه من التكلف والمعنى على المصدرية آمنوا إيمانا مشابها لإيمان الناس وعلى الكف حققوا إيمانكم كما تحقق إيمان الناس وذلك بأن يكون مقرونا بالأخلاص خالصا عن شوائب النفاق والمراد من الناس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين مطلقا كما أخرجه إبن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهماوهم نصب عين أولى الغين وملتفت