كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
في نسبتهم السفاهة إلى المؤمنين لإيمانهم فلا تورية ولا نفاق ولعله لما رأى صيغة الماضي زاد في بيان المعنى لو آمنوا ولا أدري من أين أتى به
ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر
فالأهون بعض هاتيك الوجوه وقوله : إن إبراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما جرى بينهما في مقام المحاورة مما لا عهد به في الكلام فضلا عما هو في منصب الأعجاز لا يخفى ما فيه على من أطلع على محاورات الناس قديما وحديثا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون 31 رد وأشنع تجهيل حسبما أشير إليه فيما سلف وإنما قال سبحانه هنا : لا يعلمون وهناك لا يشعرون لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد وهو مما يدرك بأدنى تأمل ولا يحتاج إلى كثير فكر فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر مبالغة في تجهيلهم والمثبت هنا السفه والمصدر به الأمر بالإيمان وذلك مما يحتاج إلى نظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم عنهم ولأن السفه خفة العقل والجهل بالأمور على ما قيل فيناسبه أتم مناسبة نفي العلم وهذا مبني على ما هو الظاهر في المفعول وعلى غير الظاهر غير ظاهر فتدبر
ثم أعلم أنه إذا ألتقت الهمزتان والأولى مضمونة والثانية مفتوحة من كلمتين نحو السفهاء ألا ففي ذلك أوجه تحقيق الهمزتين وبذلك قرأ الكوفيون وإبن عامر وتحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واوا وبذلك قرأ الحرميان وأبو عمرو وتسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو وتحقيق الثانية وتسهيل الأولى وإبدال الثانية واوا وأجاز قوم جعل الهمزتين بين بين ومنعه آخرون
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا بيان لدأب المنافقين وأنهم إذا أستقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا إستهزاء فلا يتوهم أنه مكرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومكرهم وكشف عن إفراطهم في الدعارة وإدعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وأنهم أحاطوه من جانبيه على أنه لو لم يكن هذا لا ينبغي أن يتوهم تكرار أيضا لأن المعنى ومن الناس من يتفوه بالإيمان نفاقا للخداع وذلك التفوه عند لقاء المؤمنين وليس هذا من التكرار بشيء لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا إلى الخداع الإستهزاء وأنهم لا يتفوهون بذلك إلا عند الحاجة والقول بأن المراد ب آمنا أولا الأخبار عن إحداث الإيمان وهنا عز إحداث إخلاص الإيمان مما أرتضاه الإمام ولا أقتدي به وتأييده له بأن الإقرار اللساني كان معلوما منهم غير محتاج للبيان وإنما المشكوك الإخلاص القلبيفيجب إرادتهيدفعه النظر من ذي ذوق فيما حررناه واللقاء إستقبال الشخص قريبا منه وهو أحد أربعة عشر مصدرا للقى وقرأ أبو حنيفة وإبن السميقع لاقوا وجعله في البحر بمعنى الفعل المجرد وحذف المفعول في آمنا قيل إكتفاء بالتقييد قبل بالله وباليوم الآخر وقيل : المراد آمنا بما آمنتم به وأبعد من قال أرادوا اليمان بموسى عليه السلام دون غيره وحذفوا تورية منهم وإيهاما : هذا ولم يصح عندي في سبب نزول هذه الآية شيء وأما ما ذكره الزمخشري والبيضاوي وملانا مفتي الديار الرومية وغيرهم فهو من طريق السدي الصغير وهو كذاب وتلك السلسلة سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب وآثار الوجه لائحة على ما ذكروه فلا يعول عليه ولا يلتفت بوجه إليه وإذا خلوا إلى شياطينهم من خلوت به وإليه إذا أنفردت معه أو من قولهم في المثل : أطلب الأمر وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك ومنه قد خلت من قبلكم سنن وعلى الثاني المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض به اي إذا خلوهم وتعديته إلى المفعول الثاني إلى لما في المضى عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر وإحتمال أن يكون من خلوت به اي سخرت منه فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم