كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلانا وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحا خلا بمعنى سخر في كلام من يوثق به وقولهم : خلا فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل والدال على السخرية يعبث به وزعم النضر بن شميل أن إلى هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف نعم إن الخلوة كما في التاج تستعمل إلى والباء ومع بمعنى واحد ويفهم من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغل وكذا الزمان وليس بمعنى المضي وإذا أريد به ذلك كان مجازا وظاهر كلام غيره أنه حقيقة
وضعيفان يغلبان قويا
والمراد ب شياطينهم من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهودكما قاله إبن عباسأو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة وسموا بذلك لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن فسروا بالكهنة وكان على عهده صلى الله تعالى عليه وسلم كثير منهم ككعب بن الأشرف من بني قريظة وأبي بردة من بني أسلم وعبدالدار في جهينة وعوف بن عامر في بني أسد وإبن السوداء في الشام
وحمله على شياطين الجن كما قاله الكلبي مما لا يختلج بقلبي والشياطين جمع تكسير وإجراؤه مجرى الصحيح كما في بعض الشواذ تنزلت به الشياطون لغة غريبة جدا والمفرد شيطان وهو فيعال عند البصريين فنونه أصلية من شطن أي بعد لبعده عن إمتثال الأمر ويدل عليه تشيطن وإلا لسقطت وإحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أن المعنى فعل فعله خلاف الظاهر وعند الكوفيين وزنه فعلان فنونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك أو بطل أو أحترق غضبا والأنثى شيطانة وأنشد في البحر هي البازل الكوماء لا شيء غيرها وشيطانة قد جن منها جفونها وروى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب
قالوا إنا معكم أي معية معنوية وهي مسواتهم لهم في إعتقاد اليهودية وهو أم الخبائث وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث مع ترك التأكيد فيما ألقى على المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتمردين وبالجملة الثبوتية مع التأكيد فيما ألقى إلى شياطينهم الذين ليسوا كذلك لأنهم في الأول بصدد دعوى إحداث الإيمان ولم ينظروا هنا لإنكار أحد وتردده إيهاما منهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم ليؤكدوا لعله أن يتم لهم مرامهم بذلك في زعمهم وفي الثاني بصدد إفادة الثبات دفعا لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة المؤمنين ومخاطبتهم بالإيمان وقيل : إن التأكيد كما يكون لأزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة وتركه كما يكون لعدم ذلك يكون لعدم إعتناء المتكلم فللرغبة أكدوا ولعدمها تركوا أو لأنهم لو قالوا إنا مؤمنون كان إدعاء لكمال الإيمان وثباته وهو لا يروج عند المؤمنين مع ما هم عليه من الرزانة وحدة الذكاء ولا كذلك شياطينهم وعندي أن الوجه هو الأول إذ يرد على الأخيرين قوله تعالى فيما حكى عنهم : نشهد أنك لرسول الله إلا أن يقال إنهم أظهروا الرغبة هناك وتبالهوا عن عدم الرواج لغرض ما من الأغراض والأحوال شتى والعوارض كثيرة ولهذا قيل : إنهم للتقية والخداع ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمانليجروا عليهم أحكامهم ويعفوهم عن المحاربةأكدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا بالله واليوم الآخر والقول بأن الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر لأنهم لو قالوا إنا لمؤمنون لكانوا ملتزمين أمرين رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم ووجوب إيمانهم به بخلاف آية الشهادة فإن فيها إلتزام الأول ولا يلزم من عدم الرغبة في أمرين عدمها في أحدهما ظاهر الركاكة للمنصفين كما لا يخفى وقرأ

الصفحة 157