كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الجمهور معكم بتحريك العين وقريء شاذا بسكونها وهي لغة ربيعة وغنم إنما نحن مستهزئون 41 الإستهزاء الإستخفاف والسخرية وأستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به وأستهزأت بمعنى كأستعجب وعجب وذكر حجة الإسلام الغزالي أن الإستهزاء الإستحقار والإستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وبالإشارة والإيماء وأرادوا مستخفون بالمؤمنين وأصل هذه المادة الخفة يقال : ناقته تهزأ به اي تسرع وتخف وقول الرازي إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطال ما يجري مجرى السوء على طريق السخريةغير موافق للغة والعرف والجملة إما إتئناف فكأن الشياطين قالوا لهملما قالوا إنا معكم إن صح ذلكفما بالكم توافقون المؤمنينفأجابوا بذلك أو بدل من إنا معكم وهل هو بدل إشتمال أو كل أو بعض خلاف أما الأول فلأن هذه الجملة تفيد ما تفيده الأولى وهو الثبات على اليهودية لأن المستهزيء بالشيء مصر على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر المقيد لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم في الكفر فيكون بدل إشتمال
وأما الثاني وبه قال السعد : فللتساوى من حيث الصدق ولا يقتضي التساوي من حيث المدلول وأما الثالث فلأن كونهم معهم عام في المعية الشاملة للإستهزاء والسخرية وغير ذلك أو تأكيد لما قبله بأن يقال إن مدعاهم بأنا معكم الثبات على الكفر وإنما نحن مستهزؤن لإستلزامه رد الإسلام ونفيه يكون مقررا للثبات عليه إذ رفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم إرتفاع النقيضين أو يقال يلزم إنا معكم إنا نوهم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الإيمان فيكون الإستخفاف بهم وبدينهم تأكيدا بإعتبار ذلك اللازم وأولى الأوجه عند المحققين الإستئناف لولا ما ذكره الشيخ في دلائل الأعجاز من أن موضوع إنما أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته فإنه يقتضي أن تقدير السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فيه سهل وقريء مستهزؤن بتخفيف الهمزة وبقلبها ياء مضمونة ومنهم من يحذف الياء فتضم الزاي الله يستهزيء بهم حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل الإستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزيء من أسمائه سبحانه وقالوا : إنه التحقير على وجه من شأنه أن من أطلع عليه يتعجب منه ويضحك ولا أستحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلاحقيقة لما فيه من تقرير المستزأ به على الجهل الذي فيه ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب فإن كان عنده أنه ليس متصفا بالمستهزأ به فهو لعب لا يليق بكبريائه تعالى فالآية على هذا مؤولة إما بأن يراد بالإستهزاء جزاؤه لما بين الفعل وجزائه من مشابهة في القدر وملابسة قوية ونوع سببية مع وجود المشاكلة المحسنة ههنا ففي الكلام إستعارة تبعية أو مجاز مرسل وإما بأن يراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغاية له فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصور وبالعكس نظرا إلى الوجود وإما بأن يجعل الله تعالى وتقدس كالمستهزيء بهم على سبيل الإستعارة المكنية وإثبات الإستهزاء له تخييلا ورب شيء يصح تبعا ولا يصح قصدا وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدسة ما يشاء تفهيما للعباد وقد يقال إن الآية جارية على سبيل التمثيل والمراد يعاملهم سبحانه معاملة المستهزيء : أما في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام وإستدراجهم من حيث لا يعلمون وأما في الآخرة بأن يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال : هلم هلمفيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال : هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى أن الرجل ليفتح له باب فيقال : هلم هلم فما ياتيه وقد روى ذلك بسند مرسل جيد الإسناد في