كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

المستهزئين بالناس وأسند سبحانه الإستهزاء إليه مصدرا الجملة بذكره للتنبيه على أن الإستهزاء بالمنافقين هو الإستهزاء الأبلغ الذي لا إعتداد معه بإستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه وقدرته وأنه تعالى كفى عباده المؤمنين وأنتقم لهم وما أحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم لأنهم ما أستهزيء بهم إلا فيه ولا أحد أغير من الله سبحانه وترك العطف لأنه الأصل وليس في الجملة السابقة ما يصح عطف هذا القول عليه إلا بتكلف وبعد وقيل : ليكون إيراد الكلام على وجه يكون جوابا عن السؤال عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم هذه مع المؤمنين وقولهم إنما نحن مستهزؤن إشعارا بأن ما حكى من الشناعة بحيث يقتضي ظهور غيرة الله تعالى ويسأل كل واحد عن كيفية إنتقامه منهم ويشعر كلام بعض المحققين أنه لورود هذا القول بالعطف ولو على محذوف مناسب للمقامكهم مستهزؤن بالمؤمنين لأفاد أن ذلك في مقابلة إستهزائهم فلا يفيد أن الله تعالى أغنى المؤمنين عن معارضتهم مطلقا وأنه تولى مجازاتهم مطلقا بل يوهم تخصيص التولي بهذه المجازة وأيضا لكون إستهزاء الله تعالى بمكان بعيد من إستهزائهم إلى حيث لا مناسبة بينهما يكون العطف كعطف أمرين غير متناسبين وبعضهم رتب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى على الإستئناف مدعيا أنه لو عطف ولو بحسب التوهم على مقدر بأن يقال المؤمنون مستهزؤن بهم والله يستهزيء به لفاتت الفائدتان هذا ولعل ما ذكرناه أسلم من القيل والقال وأبعد عن مظان الإستشكال فتدبر وعدل سبحانه عن الله مستهزيء بهم المطابق لقولهم إلى قوله الله يستهزيء بهم لإفادته التجدد الإستمراري وهو أبلغ من الإستمرار الثبوتي الذي تفيده الأسمية لأن البلاء إذا أستمر قد يهون وتألفه النفس كما قيل : خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزول الآيات في شأنهم أمرا متجددا مستمرا أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل أستهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون وهذا نوع من العذاب الأدنى ولعذاب الآخرة اشد لو كانوا يعلمون وصرح بالمستهزأ به هنا ليكون الإستهزاء بهم نصا وإنما تركه المنافقون فيما حكى عنهم خوفا من وصوله للمؤمنين فأبقوا اللفظ محتملا ليكون لهم مجال في الذب إذا حوققوا فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا ويمدهم في طغيانهم يعمهون 51 معطوف على قوله سبحانه وتعالى : يستهزيء بهم كالبيان له على رأي والمد من مد الجيش وأمده بمعنى أي الحق به ما يقويه ويكثره وقيل : مد زاد من الجنس وأمد زاد من غير الجنس وقيل : مد في الشر وأمد في الخير عكس وعد وأوعد وإذا استعمل أمد في الشر فلعله من باب فبشرهم بعذاب أليم وقد ورد إستعمال هذه المادة بمعنيين أحدهما ما ذكرنا وثانيهما الإمهال ومنه مد العمر والواقع هنا من الأول دون الثاني لوجهين الأول أنه روى عن إبن كثير من غير السبعة يمدهم بالضم من المريد وهو لم يسمع في الثاني والثاني أنه متعد بنفسه والآخر متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع فمعنى يمدهم في طغيانهم يريدهم ويقويهم فيه وإلى ذلك ذهب البيضاوي وغيره والحق أن الأمهال هنا محتمل وإليه ذهب الزجاج وإبن كيسان والوجهان مخدوشان فقد وردعند من يعول عليه من أهل اللغةكل منهما ثلاثيا ومزيدا ومعدى بنفسه وباللام وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة كما أو كيفا وفي الصحاح مد الله في عمره ومده في غيه أمهله وطول له

الصفحة 159