كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وروى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن مد الله تعالى في طغيانهم التمكين من العصيان وعن إبن عباس الأملاء ونسبة المد إلى الله تعالىبأي معنى كان عند أهل الحق حقيقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشياء المنفرد بإختراعها على حسب ما أقتضته الحكمة ورفعت له أكفها الإستعدادات ونسبته إلى غيره سبحانه وتعالى في قوله عز شأنه : وإخوانهم يمدونهم في الغي نسبة التوفي إلى الملك في قوله تعالى : يتوفاكم ملك الموت مع قوله جل وعلا الله يتوفى الأنفس وذهبت المعتزلة أن الزيادة في الطغيان والتقوية فيه مما يستحيل نسبته إليه تعالى حقيقة وحملوا الآية على محامل أخر وقد قدمنا ما يوهن مذهبهم فلنطوه هنا على ما فيه والطغيان بضم الطاء على المشهور وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بكسرها وهما لغتان فيه وقد سمعا في مصدر اللقاء وقد أماله الكسائي وأصله تجاوز المكان الذي وقفت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه وإضافته إليهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالإختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الإعتبار لا بإعتبار المحلية والإتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة ولا بإعتبار الإيجاد إستقلالا من غير توقف على إذن الفعال لما يريد فإنه إعتبار عليه غبار بل غبار ليس له إعتبار فلا تهولنك جعجعة الزمخشري وقعقعته ويحتمل أن يكون الإختصاص للإشارة إلى أن طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لإدعاء إختصاصهم به وليس بالمنحرف عن سنن البلاغة والعمة التردد والتحير ويستعمل في الرأي خاصة والعمى فيه وفي البصر فبينهما عموم وخصوص مطلق في الإستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع وأختص العمى بالبصر على ما قيل وأصله الأصيل عدم الإمارات في الطريق التي تنصب لتدل من حجارة وتراب ونحوهما وهي المنار ويقال عمه يعمه كتعب يتعب عمها وعمهانا فهو عمه وعامه وعمهاء فمعنى يعمهون على هذا يترددون ويتحيرون وإلى ذلك ذهب جمع من المفسرين وقيل : العمة العمى عن الرشد وقال إبن قتيبة : هو أن يكب راسه فلا يبصر ما يأتي فالمعنى يعمون عن رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر وجملة يعمهون في موضع نصب على الحال إما من الضمير في يمدهمو إما من الضمير في طغيانهم لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل وفي طغيانهم يحتمل أن يكون متعلقا بيمدهمو أن يكون متعلقا بيعمهون وجاز على خلاف كون في طغيانهم ويعمهون حالين من الضمير في يمدهم أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى إشارة إلى المنافقين الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الصلاح وهم المفسدون ونسبة السفه للمؤمنين وهم السفهاء والإستهزاء وهم المستزأ بهم ولبعد منزلتهم في الشر وسوء الحال أشار إليهم بما يدل على البعد والكلام هنا يمكن أن يكون واقعا موقع أولئك على هدى من ربهم فإن السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء تلك الأوصاف عليهم كأنه يسأل منأين دخل على هؤلاء هذه الهيئات فيجاب بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها لأنهم أشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا الإهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال وقيل : هو فذلكة وإجمال لجميع ما تقدم من حقيقة حالهم أو تعليل لإستحقاقهم الإستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان أو مقرر لقوله تعالى : ويمدهم في طغيانهم يعمهون وفيه حصر المسند على المسند إليه لكون تعريف الموصول للجنس بمنزلة تعيف اللام الجنسي وهو إدعائي بإعتبار كمالهم في ذلك الإشتراء