كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم في ذلك لجمعهم هاتيك المساوي الشنيعة والخلال الفظيعة فبذلك الإعتبار صح تخصيصهم بذلك والضلالة الجور عن القصد والهدى التوجه إليه ويطلقان على العدول عن الصواب في الدين والإستقامة عليه والإشتراء كالشراء إستبدال السلعة بالثمن أي أخذها به وبعضهم يجعله من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب ويطلق مجازا على أخذ شيء بإعطاء ما في يده عينا كان كل منهما أو معنى وهذا يستدعي بظاهره أن يكون ما يجري مجرى الثمن وهو الهدى حاصلا لهؤلاء قبل ولا ريب أنهم بمعزل عنه فأما أن يقال إن الإشتراء مجاز عن الأخيار لأن المشتري للشيء مختار له فكأنه تعالى قال : أختاروا الضلالة على الهدى ولكون الإستبدال ملحوظا جيء بالباء على أنه قيل إن التوافق معنى لا يقتضي التوافق متعلقا ولا يرد على هذا الحمل كونه مخلا بالترشيح الآتي كما زعمه مولانا مفتي الديار الرومية لأن الترشيح المذكور يكفي له وجود لفظ الإشتراء وإن كان المعنى المقصود غير مرشحكما هو العادة في أمثاله أو يقال ليس المراد بما في حيز الثمن نفس الهدى بل هو التمكن التام منه بتعاضد الأسباب وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الإستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في إستتباع الجدوى ولا مرية في إن ذلك كان حاصلا لأولئك المنافقين بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة والإرشار العظيم والنصح والتعليم لكنهم نبذوا ذلك فوقعوا في مهاوي المهالك أو يقال : المراد بالهدى الهدى الجبلي وقد كان حاصلا لهم حقيقةفإن كل مولود يولد على الفطرة وقول مولانا مفتي الديار الرومية : إن حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أن إضاعتها غير مختصة بهؤلاء ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات النقلية والعقلية على أن ذلك يفضي إلى كونما فصل من أول السورة إلى هنا ضائعا كلام ناشيء عن الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضي ملاحظتهم بجميع ما مر من الصفات والمعنى أن الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الآباء ثم بعد ما ظفروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة والنصح شفاها ونحو ذلك مما لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه التعريف أو يقال : هذه ترجمة عن جناية أخرى من جناياتهم والمراد بالهدى ما كانوا عليه من التصديق ببعثته صلى الله تعالى عليه وسلم وحقية دنيه بما وجدوه عندهم في التوراة ولهذا كانوا يستفتحون به ويدعون بحرمته ويهددون الكفار بخروجه فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين وأما حمل الهدى على ما كان عندهم ظاهرا من التلفظ بالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والغزو فمما لا يرتضيه من هدى إلى سواء السبيل وما ذكرناه من أن أولئك إشارة إلى المنافقين هو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين والمروي عن مجاهد وهو الذي يقتضيه النظم الكريم وبه أقول وروى عن قتادة أنهم أهل الكتاب مطلقا وعن إبن عباس وإبن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم الكفار مطلقا والكل عندي بعيد ولعل مراد من قال ذلك أن الآية بظاهر مفهومها تصدق على من أرادوا لا أن الآية نزلت فيهم وقرأ يحيى بن يعمر وإبن إسحاق أشتروا الضلالة بالكسر لأنه الأصل في إلتقاء الساكنين وأبو السماك أشتروا بالفتح إتباعا لما قبل وأمال حمزة والكسائي الهدى وهي لغة بني تميم وعدم الإمالة لغة قريش
فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين 61 عطف على الصلة وأتى بالفاء للإشارة إلى تعقب نفي الربح للشراء وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح وزعم بعضهم أن الفاء دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء لمكان