كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

الموصول فهو على حد الذي يدخل الدار فله درهم وليس بشيء لأن الموصول هنا ليس بمبتدأ كما في المثال بل هو خبر عن أولئك وما بعد الفاء ليس بخبر بل هو معطوف على الصلة فهو صلة ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ و الذين مبتدأ و فما ربحت تجارتهم خبر عن الثاني وهو وخبره خبر عن الأول لعدم الرابط في الجملة الثانية ولتحقق معنى الصلة وإذا كانت الصلة ماضية معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها ولا أن يكون أولئك مبتدأ و الذين بدلا منه والجملة خبرا لأن الفاء إنما تدخل الخبر لعموم الموصول والمبدل من المخصوص مخصوص فالحق ما ذكرناه ومعنى الآية عليه ليس غير كما في البحر و التجارة التصرف في رأس المال طلبا للربح ولا يكاد يوجد تاء أصلية بعدها جيم إلا نتج وتجر ورتج وأرتج وأما تجاه ونحوه فأصلها الواو و الربح تحصيل الزيادة على راس المال وشاع في الفضل عليه و المهتدي إسم فاعل من أهتدى مطاوع هدى ولا يكون أفتعل المطاوع إلا من المتعدي وأما قوله : حتى إذا أشتال سهيل في السحر كشعلة القابس ترمي بالشرر فأفتعل فيه بمعنى فعل تقول : شال يشول وأشتال يشتال بمعنى وفي الآية ترشيح لما سمعت من المجاز فيما قبلها والمقصد الأصلي تصوير خسارهم بفوت الفوائد المترتبة على الهدى التي هي كالربح وإضاعة الهدى الذي هو كرأس المال بصورة خسارة التاجر الفائت للربح المضيع لرأس المال حتى كأنه هو على سبيل الإستعارة التمثيلية مبالغة في تخسيرهم ووقوعهم في أشنع الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار وإسناد الربح إلى التجارة وهو لأربابها ماجز للملابسة وكنى في مقام الذم ينفي الربح عن الخسران لأن فوت الربح يستلزمه في الجملة ولا أقل من قدر ما يصرف من القوة وفائدة الكناية التصريح بإنتفاء مقصد التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل خسرت تجارتهم فلا يتوهم إن نفي أحد الضدين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة وهي موجودة هنا فإن التاجر قد لا يربح ولا يخسر وقيل : إن ذلك إنما يكون إذا كان المحل قابلا للكل كما في التجارة الحقيقة أما إذا كان لا يقبل إلا إثنين منها فنفى أحدهما يكون إثباتا للآخر والربح والخسران في الدين لا واسطة بينهما على أنه قد قامت القرينة هنا على الخسران لقوله تعالى وما كانوا مهتدين وقد جعله غير واحد كناية عن إضاعة رأس المال فإن لم يهتد بطرق التجارة تكثر الآفات على أمواله وأختير طريق الكناية نكاية لهم بتجهيلهم وتسفيههم ويحتمل على بعد أن يكون النفي هنا من باب قوله : على لا حب لا يهتدي بمناره أي لا منار فيهتدي به فكأنه قال لا تجارة ولا ربح والظاهر أن وما كانوا مهتدين عطف على ما ربحت للقرب مع التناسب والتفرع بإعتبار المعنى الكنائي وبتقدير المتعلق لطرق الهداية يندفع توهم أن عدم الإهتداء قد فهم مما قبل فيكون تكرارا لما مضى وهو إما من باب التكميل والإحتراس كقوله : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمي أو من باب التنعيم كقوله : كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب وقال الشريف قدس سره : إن العطف على أشتروا الضلالة بالهدى أولى لأن عطفه على ما ربحت يوجب ترتبه على ما قبله بالفاء فيلزم تأخره عنه والأمر بالعكس إلا ان يقال ترتيبه بإعتبار الحكم والأخبار وفيه أنه لو كان معطوفا على أشتروا كان الظاهر تقديمه لما في التأخير من الإيهام وحينئذ يكون الأحسن ترك العطف أحتياطا كما ذكر في نحو قوله

الصفحة 162