كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وتظن سملى أنني ابغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم على أن بين معنى أشتروا إلخ ومعنى وما كانوا إلخ تقاربا يمنع حسن العطف كما لا يخفى على من لم يضع فطرته السليمة وجوز أن تكون الجملة حالا ولا يخفى سوء حاله على من حسن تمييزه وقرأ إبن أبي عبلة تجاراتهم على الجمع ووجهه أن لكل واحد تجارة ووجه الأفراد في قراءة الجمهور فهم المعنى مع الإشارة أن تجاراتهم وإن تعددت فهي من سوق واحدة وهم شركاء فيها مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا جملة مقررة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها ولما كان ذلك جاريا على ما فيه من إستعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة المشاهد بضرب المثل تتميما للبيان فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللئام عن محيا الدقائق ويبرز المتخيل في معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد وربما تكون المعاني التي يراد تفيهمها معقولة صرفة فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسوس فيساعد الوهم العقل في إدراكها وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون وقيل : الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى : أولئك الذين أشتروا إلخ ولا بعد فيه والحمل على الإستئناف بعيد لا سيما والأمثال تضرب للكشف والبيان والمثل بفتح تينك المثل بكسر فسكونوا لمثيل في الأصل النظير والشبيه والتفرقة لا أرتضيها وكأنه مأخوذ من المثول وهو الإنتصاب ومنه الحديث من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار ثم اطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا شبيه أو إستعارة رائقة تمثيلية وغيرها أو حكمة وموعظة نافعة أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز ولا يشترط فيه أن يكون إستعارة مركبة خلافا لمن وهم بل لا يشترط أن يكون مجازا وهذه أمثال العرب أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملا في معناه الحقيقي ولكونه فريدا في بابه وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات المقصود وتفسيره بالقول السائر الممثل مضربه بمورده يرد عليه أمثال القرآن لأن الله تعالى إبتدأها وليس لها مورد من قبل اللهم إلا أن يقال إن هذا إصطلاح جديد أو أن الأغلب في المثل ذلك ثم أستعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة ومن ذلك ولله المثل الأعلى و مثل الجنة التي وعد المتقون وهو المراد هنا في المثل دون التمثيل المدلول عليه بالكاف والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من أستوقد نارا آلخ فيما سيكشف عن وجهه إن شاء الله تعالى فالكاف حرف تشبيه متعلقة بمحذوف خبر عن المبتدأ وزعم إبن عطية أنها اسم مثلها في قول الأعشى : أينتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والقتل وهذا مذهب إبن الحسن وليس بالحسن إلا في الضرورة والقول بالزيادة كما في قوله : فصيروا مثل كعصف مأكول زيادة في الجهل والذي وضع موضع الذين إن كان ضمير بنورهم راجعا إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع وقد منعه الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره لخصوصية أقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه ولأنه مع صلته كشيء واحد وعلامة الجمع لا تقع حشوا فلذا لم