كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وعلى شعاع النور المنبسط فهو بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثاني أدنى ولكل مقام مقال ولكل مرتبة عبارة ولا حجر على البليغ في إختيار أحد الأمرين في بعض المقامات لنكتة أعتبرها ومناسبة لاحظها وآية الشمس لا تدل على أن الضياء أقوى من النور أينما وقع فالله نور السموات والأرض ولله المثل الأعلىوشاع إطلاق النور على الذوات المجردة دون الضوء ولعل ذلك لأن إنسياق العرضية منه إلى الذهن أسرع من إنسياقها من النور إليه فقد أنتشر أنه عرض وكيفية مغايرة للون والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضيء مما بين بطلانه في الكتب الحكمية وإن قال بكل بعض من الحكماء ثم التعبير بالنور هنا دون الضوء يحتمل أن يكون لسر غير ما أنقدح في أذهان الناس وهو كونه أنسب بحال المنافقين الذين حرموا الإنتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نورا في قوله تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب فكأن الله عز شأنه أمسك عنهم النور وحرمهم الإنتفاع به ولم يسمه سبحانه ضوءا لتتأتي هذه الإشارة لو قال هنا ذهب الله بضوئهم بل كساه من حلل أسمائه وأفاض عليه من أنوار آلائه فهو المظهر الآتم والرداء المعلم هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسة لأنه للنار في الحقيقة لكن لما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم وقرأ إبن السم يقع وإبن أبي عبلة فلما ضاءت ثلاثيا وتخريجها يعلم مما تقدم وقرأ اليماني أذهب الله نورهم وفيها تأييد لمذهب سيبويه
وتركهم في ظلمات لا يبصرون 71 عطف على قوله تعالى ذهب الله بنورهم وهو أوفى بتأدية المراد فيستفاد منه التقرير لإنتفاء النور بالكلية تبعا لما فيه من ذكر الظلمة وجمعها وتنكيرها وإيراد لا يبصرون وجعل الواو للحال بتقدير قد مع ما فيه يقتضي ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه وليس المعنى عليه والترك في المشهور طرح الشيء كترك العصا من يده أو تخليته محسوسا كان أو غيره وإن لم يكن في يده كترك وطنه ودينه وقال الراغب ترك الشيء رفضه قصدا وإختيارا أو قهرا وإضطرارا ويفهم من المصباح أنه حقيقة في مفارقة المحسوسات ثم استعير في المعاني وفي كون الفعل من النواسخ الناصبة للجزأين لتضمينه معنى صير أم لا خلاف والكل هنا محتمل فعلى الأول هم مفعوله الأول وفي ظلمات مفعوله الثاني ولا يبصرون صفة لظلمات بتقدير فيها أو حال من الضمير المستتر أو من هم ولا يجوز أن يكون في ظلمات حالا و لا يبصرون مفعولا ثانيا لأن الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكدا وإن جوزه بعضهم وعلى الثاني هم مفعوله و في ظلمات لا يبصرون حالان مترادفان من المفعول أو متداخلان فالأول من المفعول والثاني من الضمير فيه و في ظلمات متعلق ب تركهم و لا يبصرون حال والظلمة في المشهور عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مستضيئا فالتقابل بينها وبين الضوء تقابل العدم والملكة وأعترض بأن الظلمة كيفية محسوسة ولا شيء من العدم كذلك وبأنها مجعولة كما يقتضيه قوله تعالى : وجعل الظلمات والنور والمجعول لا يكون إلا موجودا وأجيب عن الأول بمنع الصغرى فأنا إذا غمضنا العين لا نشاهد شيئا ألبتة كذلك إذا فتحنا العين في الظلمة وعن الثاني بالمنع أيضا فإن الجاعل كما يجعل الموجود يجعل العدم الخاص كالعمى والمنافي للمجعولية هو العدم الصرف وقيل : كيفية مانعة من الأبصار فالتقابل تقابل التضاد وأعترض بأنه لو كانت كيفية لما أختلف حال من في الغار المظلم ومن هو في الخارج في الرؤية وعدمها إلا أن يقال المراد أنها كيفية مانعة من إبصار ما فيها فيندفع الإعتراض عنه وربما يرجح عليه بأنه قد يصدق على الإظلمة الأصلية السابقة على وجود العالم دونه كما قيل وقيل : التقابل بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب وجمع الظلمات إما لتعددها في الواقع سواء رجع ضمير الجمع إلى المستوقدين أو المنافقين أو لأنها في الحقيقة وإن