كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

كانت ظلمة واحدة لكنها لشدتها أستعير لها صيغة الجمع مبالغة كما قيل رب واحد يعدل ألفا أو لأنه لما كان الكل واحد ظلمة تخصه جمعت بذلك الإعتبار كذا قالوا ومن اللطائف أن الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة والنور حيثما وقع وقع مفردا ولعل السبب هو أن الظلمة وإن قلت تستكثر والنور وإن كثر يستقل ما لم يضر وأيضا كثيرا ما يشار بهما إلى نحو الكفر والإيمان والقليل من الكفر كثير والكثير من الإيمان قليل فلا ينبغي الركون إلى قليل من ذاك ولا الإكتفاء بكثير من هذا وأيضا معدن الظلمة بهذا المعنى قلوب الكفار وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ومشرق النور بذلك المعنى قلوب المؤمنين وهي كقلب رجل واحد وأيضا النور المفاض هو الوجود المضاف وهو واحد لا تعدد فيه كما يرشدك إليه قوله تعالى : الله نور السموات والأرض وفي الظلمة لا يرى مثل هذا وأيضا الظلمة يدور أصل معناها على المنع فلذا أخذت من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك وفي مثلثات إبن السيد الظلم بفتح الظاء شخص كل شيء يسد بصر الناظر يقال لقيته أول ذي ظلم أي أول شخص يسد بصري وزرته والليل ظلم أي مانع من الزيارة فكأنها سميت ظلمة لأنها تسد في المشهور وتمنع الرؤية فبإعتبار تعدد الموانع جمعت ولم يعتبر مثل هذا في اصل معنى النور فلم يجمع إلى غير ذلك وإنما نكرت ظلمات هنا ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور إختصارا للفظ وإكتفاء بما دل عليه المعنى والظرفية مجازية كيفما فسرت الظلمة على بعض الآراء : و لا يبصرون منزل اللازم لطرح المفعول نسيا منسيا ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فيفيد العموم وقرأ الجمهور في ظلمات بضم اللام والحسن وأبو السماك بسكونها وقوم بفتحها والكل جمع ظلمة
وزعم قوم أن ظلمات بالفتح جمع ظلم جمع ظلمة فهي جمع الجمع والعدول إلى الفتح تخفيفا مع سماعه في أمثاله أسهل من إدعاء جمع الجمع إذ ليس بقياسي ولا دليل قطعي عليه وقرأ اليماني في ظلمة وفي الآية إشارة إلى تشبيه إجراء كلمة الشهادة على ألسنة من ذكر والتحلي بحلية المؤمنين ونحو ذلكم ما يمنع من قتلهم ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من نحو الأمن والمغانم وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاق الضار في الدين بإيقاد نار مضيئة للإنتفاع بها أطفأها الله تعالى فهبت عليهم الرياح والأمطار وصيرت موقدها في ظلمة وحسرة ويحتمل أنهم لما وصفوا بأنهم أشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل لتشبيه هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي أشتروها وطبع الله تعالى بها على قلوبهم بذهاب الله تعالى بنورهم وتركه إياهم في الظلمات والتفسير المأثور عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه إبن جرير عنه أن ذلك مثل للإيمان الذي أظهروه لإجتناء ثمراته بنار ساطعة الأنوار موقدة للإنتفاع والإستبصار ولذهاب أثره وإنطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها ويشتمل التشبيه وجوها أخر ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الآية مثل من دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال أو مثل من أستوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه في الآخر ولا يجد مناصا من الفضيحة يوم تبلى السرائر وقال أبو الحسن الوراق : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم يصحح أحوال الإرادة فأرتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلك الآنوار وبقى في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها نسأل الله تعالى العفو والعافية ونعوذ به من الحور بعد الكور صم بكم عمي فهم لا يرجعون 81 الأوصاف جموع كثرة على وزن

الصفحة 168