كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
امتنع عادة كما في قوله : أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد فيفرض هنا حصول الصمم والبكم والعمى لمن وقع في هاتيك الظلمة الشديدة المطبقة وقيل لا يبعد فقد الحواس ممن وقع في ظلمات مخوفة هائلة إذ ربما يؤدي ذلك إلى الموت فضلا عن ذلك ويؤيد كونها تتمته قراءة إبن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم صما وبكما وعميا بالنصب فإن الأوصاف حينئذ تحتمل أن تكون مفعولا ثانيا لترك وفي ظلمات متعلقا به أو في موضع الحال و لا يبصرون حالا أو منصوبة على الحال من مفعول تركهم متعديا لأثنين أو لواحد أو منصوبة بفعل محذوف أعني أعني والقول بأنها منصوبة على الحال من ضمير لا يبصرون جهل بالحال وقريب منه في الذم من نصب على الذم إذ ذاك إنما يحسن حيث يذكر الأسم السابق وأما جعل هذه الجملة على القراءة المشهورة دعائية وفيها إشارة إلى ما يقع في الآخرة من قوله تعالى : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما فنسأل الله تعالى العفو والعافية من إرتكاب مثله ونعوذ به من عمى قائله وجهله ومثله بل أدهى وأمرالقول بأن جملة لا يرجعون كذلك ومتعلق لا يرجعون محذوف أي لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه أو عن الضلالة بعد أن أشتروها وقد لا يقدر شيء ويترك على الأطلاق
والوجهان الأول ان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من أولئك الذين أشتروا إلخ والأخير على تقدير أن يكون من ذهب الله بنورهم إلخ بأن يراد به أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورطوا في حيرة فالمراد هنا أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكاناتهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث إبتدؤا منه والأعمى لا ينظر طريقا وأبكم لا يسأل عنها وأصم لا يسمع صوتا من صوب مرجعه فيهتدي به والفاء للدلالة على أن إتصافهم بما تقدم سبب لتحيرهم وإحتباسهم كيف ما كانوا
ومن البطون صم آذان أسماع أرواحهم عن أصوات الوصلة وحقائق إلهام القربة بكم عن تعريف علل بواطنهم عند أطباء القلوب عجبا عمى عن رؤية أنوار جمال الحق في سيماء أوليائه : وقال سيدي الجنيد قدس سره : صموا عن فهم ما سمعوا وأبكموا عن عبارة ما عرفوا وعموا عن ابصيرة فيما إليه دعوا
أو كصيب من السماء شروع في تمثيل لحالهم إثر تمثيل وبيان لكل دقيق منها وجليل فهم أئمة الكفر الذين تفننوا فيه وتفؤا ظلال الضلال بعد أن طاروا إليه بقدامى النفاق وخوافيه فحقيق أن تضرب في بيداء بيان أحوالهم الوخيمة خيمة الأمثال وتمد أطناب الأطناب في شرح أفعالهم ليكون أفعى لهم ونكالا بعد نكال وكل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقام الأطناب والإيجاز فماذا عسى أن يقال فيما بلغ الذروة العليا من البلاغة والبراعة والأعجاز ولقد نعى سبحانه عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم العديمة المثيل وهو معطوف على الذي أستوقد نارا ويكون النظم كمثل ذوي صيب فيظهر مرجع ضمير الجمع فيما بعد وتحصل الملائمة للمعطوف عليه والمشبه وأو عند ذوي التحقيق لأحد الأمرين ويتولد منه في الخبر الشك والإبهام والتفصيل على حسب إعتبارات المتكلم وفي الأنشاء