كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الإباحة والتخيير كذلك وحينئذ لا يلزم الإشتراك ولا الحقيقة والمجاز وبعضهم يقول : إنها بإعتبار الأصل موضوعة للتساوي في الشك وحمل على أنه فرد من أفراد المعنى الحقيقي ثم اتسع فيها فجاءت للتساوي من غير شك كما فيما نحن فيه على رأي إذ المعنى مثل بأي القصتين شئت فهما سواء في التمثيل ولا بأس لو مثلت بهما جميعا وإن كان التشبيه الثاني أبلغ لدلالته على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذا أخر ليتدرج من الأهون إلى الأهول وزعم بعضهم أن أو هنا بمعنى الواو وما في الآيتين تمثيل واحد وقيل : بمعنى بل وقيل : للإبهام والكل ليس بشيء نعم أختار أبو حيان أنها للتفصيل وكأن من نظر إلى حالهم منهم من يشبهه بحال المستوقد ومنهم من يشبهه بحال ذوي صيب مدعيا أن الإباحة وكذا التخييرلا يكونان إلا في الأمر أو ما في معناه إنتهى ولا يخفى على من نظر في معناه وحقق ما معناه أن ما نحن فيه داخل في الشق الثاني على أن دعوى الإختصاص مما لم يجمع عليه الخواص فقد ذكر إبن مالك أن أكثر ورود أو للإباحة في التشبيه نحو فهي كالحجارة أو اشد قسوة والتقدير نحو فكان قاب قوسين أو أدنى والصيب في المشهور المطر من صاب يصوب إذا نزل وهو المروي هنا عن إبن عباس وإبن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم رضي الله تعالى عنهم ويطلق على السحاب أيضا كما في قوله : حتى عفاها صيب ودقه داني النواحي مسبل هاطل ووزنه فيعل بكسر العينعند البصريين وهو من الأوزان المختصة بالمعتل العين إلا ما شذ من صيقل بكسر القاف علم لأمرأة والبغداديون يفتحون العين وهو قول تسد الأذن عنه وقريب منه قول الكوفيين : إن أصله فعيل كطويل فقلب وهل هو أسم جنس أو صفة بمعنى نازل أو منزل قولان أشهرهما الأول وأكثر نظائره في الوزن من الثاني وقريء أو كصائب وصيب أبلغ منه والتنكير فيه للتنويع والتعظيم والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه والمعروفة عند خواص أهل الأرض والمرئية عند عوامهم وأصلها الواو من السمو وهي مؤنثة وقد تذكر كما في قوله : فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء مع السحاب وتلحقها هاء التأنيث فتصح الواو حينئذ كما قاله أبو حيان لأنها بنيت عليها الكلمة فيقال سماوة وتجمع على سموات وأسمية وسمائي والكل كما في البحر شاذ لأنها أسم جنس وقياسه أن لا يجمع وجمعه بالألف والتاء خال عن شرط ما يجمع بهما قياسا وجمعه على أفعلة ليس مما ينقاس في المؤنث وعلى فعائل لا ينقاس في فعال والمراد بالسماء هنا الأفق والتعريف للإستغراق لا للعهد الذهني كما ينساق لبعض الأذهان فيفيد أن الغمام آخذ بالآفاق كلها فيشعر بقوة المصيبة مع ما فيه من تمهيد الظلمة ولهذا القصد ذكرها وعندي أن الذكر يحتمل أن يكون أيضا للتهويل والإشارة إلى أن ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم وذلك أبلغ في الإيذاء كما يشير إليه قوله تعال : يصب من فوق رؤوسهم الحميم وكثيرا ما نجد أن المرء يعتني بحفظ رأسه أكثر مما يعتني بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطيع من الناس يتخذ طيلسانا لذلك والعيان والوجدان أقوى شاهد على ما قلنا و من لإبتداء الغاية وقيل : يحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضاف أي من أمطار السماء وليس بشيء وزعم بعضهم أن الآية تبطل ما قيل : إن المطر من أبخرة متصاعدة من السفلوهو من أبخرة الجهل إذ ليس في الآية سوى أن المطر من هذه الجهة وهو غير مناف لما ذكر كيف والمشاهدة تقضي به فقد حدثني من بلغ مبلغ التواتر أنهم شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة سحابا