كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

يمطر أسفلهم وشاهدوا تارات أبخرة تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحابا فيمطر فإياك أن تلتفت لبرق كلام خلب ولا تظن أن ذلك علم فالجهل منه أصوب ثم حملا لصيب هنا على السحاب وإن كان محتملا غير أنه بعيد بعد الغمام وكذا حمل السماء عليه فيه ظلمات ورعد وبرق أي معه ذلك كما في قوله تعالى : أدخلوا في أمم وإذا حملت في على الظرفية كما هو الشائع في كلام المفسرين أحتج إلى حمل الملابسة التي تقتضيها الظرفية على مطلق الملابسة الشاملة للسببية والمجاورة وغيرهما ففيه بذلك المعنى ظلمات ثلاث ظلمة تكاثفه بتتابعه وظلمة غمامه مع ظلمة الليل التي يستشعرها الذوق من قوله تعالى : كلما أضاء لهم مشوا فيه وكذا فيه رعد وبرق لأنهما في منشئه ومحل ينصب منه وقيل : فيه وهو كما قال الشهاب وهم نشأ من عدم التدبر وإن كان المراد بالصيب السحاب فأمر الظرفية أظهر والظلمات حينئذ ظلمة السحمة والتطبيق مع ظلمة الليل وجمع الظلمات على التقديرين مضيء ولم يجمع الرعد والبرق وإن كانا قد جمعا في لسان العرب وبه تزداد المبالغة وتحصل المطابقة مع الظلمات والصواعق لأنهما مصدران في الأصل وإن أريد بهما العينان هنا كما هو الظاهر والأصل في المصدر أن لا يجمع على أنه لو جمعا لدل ظاهرا على تعدد الأنواع كما في المعطوف عليه وكل من الرعد والبرق نوع واحد وذكر الشهاب مدعيا أنه مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر نكتة سرية في إفرادهما هنا وهي أن الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادةيسوق السحاب من مكان لآخر فلو تعدد لم يكن السحاب مطبقا فتزول شدة ظلمته وكذا البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يشير إليه قوله تعالى : كلما أضاء لهم مشوا فيه فأفرادهما متعين هنا وعندي وهو من أنوار العناية المشرقة على آفاق الأسرار أن النور لما لم يجمع في آية من القرآن لما تقدم لم يجمع البرق لأغراضهم
واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إبهام ما لا يكاد إذ ليس هو بالبعيد عنه كما يرشدك إليه كلما أضاء لهم والرعد مصاحب له فأنعكست اشعته عليه أو ما ترى الجلد الحقير مقبلا بالثغر لما صار جار المصحف وإرتفاع ظلمات إما على الفاعلية للظرف المعتمد على الموصوف أو على الإبتدائية والظرف خبره وجعل الظرف حالا من النكرة المخصصة وظلمات فاعله لا يخلو عن ظلمة البعد كما لا يخفى وللناس في الرعد والبرق أقوال : والذي عون عليه أن الأول صوت زجر الملك الموكل بالسحاب والثاني لمعان مخاريقه التي هي من نار والذي أشتهر عند الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار وهو الحادث بسبب الحرارة السماوية إذا أثرت في البلة ويتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحار والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه فيحدث منه الرعد وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته نار لامعة وهي البرق إن لطفت والصاعقة إن غلظت وربما كان البرق سببا للرعد فإن الدخان المشتعل ينطفيء في السحاب فيسمع لإنطفائه صوت كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا والرعد والبرق يكونان معا إلا أن البرق يرى في الحال لأن الأبصار لا يحتاج إلا إلى المحاذاة من غير حجاب والرعد يسمع بعد لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى القوة السامعة وذلك يستدعي زمانا كذا قالواه وربما يختلج في ذهنك قرب هذا ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسرى به ليلا بلا رعد ولا برق على ظهر البراق وعرج إلى ذي المعارج حيث لا زمان ولا مكان فرجع وهو أعلم خلق الله على الأطلاق صلى الله تعالى عليه وسلم فأنا بحول من عز حوله وتوفيق من غمرني فضله أوفق لك بما يزيل الغين عن العين ويظهر سر جوامع الكلم التي أوتيها سيد الكونين صلى الله تعالى عليه وسلم

الصفحة 172