كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الدوران حقيقة أو إدعاء ومن قضية مفروضة الشرط دلالتها على إنتفائه قطعا والمنازع فيه مكابر وأما دلالتها على إنتفاء الجزاء فقد قيل وقيل والحق أنه إن كان ما بينهما من الدوران قد بنى الحكم على إعتباره فهي دلالة عليه بواسطة مدلولها ضرورة إستلزام إنتفاء العلة لإنتفاء المعلول أما في الدوران الكلي كالذي في قوله تعالى : شأنه ولو شاء لهداكم وقولك لوجئتني لأكرمتك فظاهر ثم إنه قد يساق الكلام لتعليل إنتفاء الجزاء بإنتفاء الشرط كما في المثالين وهو الإستعمال الشائع في لو ولذا قيل : إنها لإمتناع الثاني لإمتناع الأول وقد يساق للإستدلال بإنتفاء الثاني لكونه ظاهرا أو مسلما على إنتفاء الأول لكونه بعكسه كما في قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا و لو كان خيرا ما سبقونا إليه واللزوم في الأول حقيقي وفي الثاني إدعائي وكذا إنتفاء الملزومين وليس هذا بطريق السببية الخارجية بل بطريق الدلالة العقلية الراجعة إلى سببية العلم بإنتفاء الثاني للعلم بإنتفاء الأول ومن لم يتنبه زعم أنه لإنتفاء الأول لإنتفاء الثاني وأما في مادة الدوران الجزئي كما في قولك : لو طلعت الشمس لوجد الضوء فلأن الجزاء المنوط بالشرط ليس وجود أي ضوء بل وجود الضوء الخاص الناشيء من الطلوع ولا ريب في إنتفائه بإنتفائه هذا إذا بنى الحكم على إعتبار الدوران وإن بنى على عدمه فأما أن يعتبر تحقق مدار آخر له أو لا فإن أعتبر فالدلالة تابعة لحال ذلك المدار فإن كان بينه وبين الإنتفاء الأول منافاة تعين الدلالة كما إذا قلت : لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء فإن وجود الضوء معلق في الحقيقة بسبب آخر هو المدار ووضع عدم الطلوع موضعه لكونه كاشفا عنه فكأنه قيل : لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بالقمر مثلا
ولا ريب في أن هذا الجزاء منتف عند إنتفاء الشرط لإستحالة الضوء القمري عند طلوع الشمس وإن لم يكن بينهما منافاة تعين عدم الدلالة كحديث لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لإبنة أخي من الرضاعة فإن المدار المعتبر في ضمن الشرط أعني كونها إبنة الأخ غير مناف لإنتفائه الذي هو كونها ربيبته بل مجامع له ومن ضرورته مجامعة أثريهما أعني الحرمة الناشئة من هذا وهذا وإن لم يعتبر تحقق مدار آخر بل بنى الحكم على إعتبار عدمه فلا دلالة لها على ذلك أصلا ومساق الكلام حينئذ لبيان ثبوت الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليعلم ثبوته عند وقوع مالا ينافيه بالأولى كما في قوله تعالى : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لا مسكتم فإن الجزاء قد نيط بما ينافيه إيذانا بأنه في نفسه بحيث يجب ثبوته مع فرض إنتفاء سببه أو تحقق سبب إنتفائه فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة لو الوصلية ونعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه إن حمل على تعليق عدم العصيان في ضمن عدم الخوف بمدار آخر كالحياء مما يجامع الخوف كان من قبيل حديث الربيبة وإن حمل على بيان إستحالة عصيانه مبالغة كان من هذا القبيل والآية الكريمة واردة على الإستعمال الشائع مفيدة لفظاعة حالهم وهول ما دهمهم وأنه قد بلغ الأمر إلى حيث لو تعلقت مشيئة الله تعالى بإزالة قواهم لزالت لتحقق ما يقتضيه إقتضاء تاما وقيل : كلمة لو فيه الربط جزائها بشرطها مجردة عن الدلالة على إنتفاء أحدهما لإنتفاء الآخر بمنزلة أن ذكر جميع ذلك مولانا مفتي الديار الرومية وأظنه قد اصاب الغرض إلا أن كلام مولانا الساليكوتي يشعر بإختيار أن لو موضوعة لمجرد تعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فيه من غير دلالة على إنتفاء الأول أو الثاني أو على إستمرار الجزاء