كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

بل جميع هذه الأمور خارجة عن مفهومها مستفادة بمعونة القرائن كيلا يلزم القول بالإشتراك أو الحقيقة والمجاز من غير ضرورة وبه قال بعضهم وما ذهب إليه إبن الحاجب من أنها للدلالة على إنتفاء الأول لإنتفاء الثاني من لوازم هذا المفهوم وكونه لازما لا يستلزم الإرادة في مي الموارد فإن الدلالة غير الإرادة وذكر أن ما قالوه من أنها لتعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فرضا مع القطع بإنتفائه فيلزم لأجل إنتفائه إنتفاء ما علق به فيفيد أن إنتفاء الثاني في الخارج إنما هو بسبب إنتفاء الأول فيه مع توقفه على كون إنتفاء الأول مأخوذا في مدخولها وقد عرفت أنه يستلزم خلاف الأصل يرد عليه أن المستفاد من التعليق على أمر مفروض الحصول إبداء المانع من حصول المعلق في الماضي وأنه لم يخرج من العدم الأصلي إلى حد الوجود وبقى على حاله لإرتباط وجوده بأمر معدوم وأما إن إنتفاءه سبب لإنتفائه في الخارج فكلا كيف والشرط النحوي قد يكون مسببا مضافا للجزاء نعم أن هذا مقتضى الشرط الأصطلاحي وما أستلى به العلامة التفتازاني على إفادتها السببية الخارجية من قول الحماسي : ولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر لأن إستثناء المقدم لا ينتج ففيه أن اللازم مما ذكر أن لا تكون مستعملة للإستدلال بإنتفاء الأول على إنتفاء الثاني ولا يلزم منه أن لا تكون مستعملة لمجرد التعليق لإفادة إبداء المانع مع قيام المقتضي كيف ولو كان معناها إفادة سببية الإنتفاء كان الإستثناء تأكيدا وإعادة بخلاف ما إذا كان معناها مجرد التعليق فإنه يكون إفادة وتأسيسا وهذا محصل ما قالوه ردا وقبولا وزبدة ما ذكروه إجمالا وتفصيلا ومعظم مفتي أهل العربية أفتوا بما قاله مفتي الديار الرومية ولا أوجب عليك التقليد فالأقوال بين يديك فأختر منها ما تريد
إن الله على كل شيء قدير 02 كالتعليل للشرطية والتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إذهاب ما ذكر لأن القادر على الكل قادر على البعض والشيء لغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه كما نص عليه سيبويه وهو شامل للمعدوم والموجود الواجب والممكن وتختلف إطلاقاته ويعلم المراد منه بالقرائن فيطلق تارة ويراد به جميع أفراده كقوله تعالى : والله بكل شيء عليم بقرينة إحاطه العلم الإلهي بالواجب والممكن المعدوم والموجود والمحال الملحوظ بعنوان ما ويطلق ويراد به الممكن مطلقا كما في الآية الكريمة بقرينة القدرة التي لا تتعلق إلا بالممكن وقد يطلق ويراد به الممكن الخارجي الموجود في الذهن كما في قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله بقرينة كونه متصورا مشيئا فعله غدا وقد يطلق ويراد به الممكن المعدوم الثابت في نفس الأمر كما في قوله تعالى : إنما قولنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون بقرينة إرادة التكوين التي تختص بالمعدوم وقد يطلق ويراد به الموجود الخارجي كما في قوله تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا أي موجودا خارجيا لإمتناع أن يراد نفي كونه شيئا بالمعنى اللغوي الأعم الشامل للمعدوم الثابت في نفس الأمر لأن كل مخلوق فهو في الأزل شيء أي معدوم ثابت في نفس الأمر وإطلاق الشيء عليه قد قرر والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يعدل عنه إلا لصارف ولا صارف وشيوع إستعماله في الموجود لا ينتهض صارفا إذ ذاك إنما هو لكون تعلق الغرض في المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لإختصاصه به لغة وما ذكره مولانا البيضاوي من إختصاصه بالموجود لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة وحينئذ يتناول الباري تعالى وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء وجوده إلخ ففيه مع ما فيه أنه يلزمه في قوله تعالى : والله بكل شيء عليم إستعمال المشترك في معنييه لأنه إذا كان بمعنى الشائي

الصفحة 178