كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
لا يشمل نحو الجمادات عنده وإذا كان بمعنى المشيء وجوده لا يشمل الواجب تعالى شأنه وفي إستعمال المشترك في معنييه خلاف ولا خلاف في الإستدلال بالآية على إحاطة علمه تعالى وأما ما ذكر في شرحي المواقف والمقاصد فجعجعة ولا أرى طحنا وقعقعة ولا أرى سلاحا تقنا وقد كفانا مؤنة الإطالة في رده مولانا الكوراني قدس سره والنزاع في هذا وإن كان لفظيا والبحث فيه من وظيفة أصحاب اللغة إلا أنه يبتني على النزاع في أن المعدوم الممكن ثابت أولا وهذا بحث طالما تحيرت فيه أقوام وزلت فيه أقدام
والحق الذي عليه العارفون الأول لأن المعدوم الممكن أي ما يصدق عليه هذا المفهوم يتصور ويراد بعضه دون بعض وكل ما هو كذلك فهو متميز في نفسه من غير فرض الذهن وكل ما هو كذلك فهو ثابت ومتقرر في خارج أذهاننا منفكا عن الوجود الخارجي فما هو إلا في نفس الأمر والمراد به علم الحق تعالى بإعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس فإن لعلم الحق تعالى إعتبارين أحدهما أنه ليس غيرا الثاني أنه ليس عينا ولا يقال بالإعتبار الأول العلم تابع للمعلوم لأن التبعية نسبة تقتضي متمايزين ولو إعتبارا ولا تمايز عند عدم المغايرة ويقال ذلك بالإعتبار الثاني للتمايز النسبي المصحح للتبعية والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع شئونه ونسبه وإعتباراته ومن هنا قالوا : علمه تعالى بالأشياء أزلا عين علمه بنفسه لأن كل شيء من نسب علمه بالإعتبار الأول فإذا علم الذات بجميع نسبها فقد علم كل شيء من عين علمه بنفسه وحيث لم يكن الشريك من نسب العلم بالإعتبار الأول إذ لا ثبوت له في نفسه من غير فرض إذ الثابت كذلك هو أنه تعالى لا شريك له فلا يتعلق به العلم بالإعتبار الثاني إبتداء ومتى كان تعلق العلم بالأشياء أزليا لم تكن أعداما صرفة إذ لا يصح حينئذ أن تكون طرفا إذ لا تمايز فإذا لها تحقق بوجه ما فهي أزلية بأزلية العلم فلذا لم تكن الماهيات بذواتها مجعلوة لأن الجعل تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت فالثبوت متقدم على الجعل بمراتب فلا تكون من حيث الثبوت أثرا للجعل وإلا لدار وإنما هي مجعولة في وجودها لأن العالم حادث وكل حادث مجعول وليس الوجود حالا حتى لا تتعلق به القدرة ويلزم أن لا يكون الباري تعالى موجدا للممكنات ولا قادرا عليها لأنه قد حقق أن الوجود بمعنى ما بإنضمامه إلى الماهيات الممكنة يترتب عليها آثارها المختصة بها موجودا أما أولا فلأن كل مفهوم مغاير للوجود فإنه إنما يكون موجودا بأمر ينضم إليه وهو الوجود فهو موجود بنفسه لا بأمر زائد وإلا لتسلسل وإمتيازه عما عداه بأن وجوده ليس زائدا على ذاته وأما ثانيا فلأنه لو لم يكن موجودا لم يوجد شيء أصلا لأن الماهية الممكنة قبل إنضمام الوجود متصفة بالعدم الخارجي فلو كان الوجود معدوما كان مثلها محتاجا لما تحتاجه فلا يترتب على الماهية بضمه آثارها لأنه على تقدير كونه معدوما ليس فيه بعد العدم إلا إفتقاره إلى الوجود وهذا بعينه متحقق في الماهية قبل الضم فلا يحدث لها بالضم وصف لم تكن عليه فلو كان هذا الوجود المفتقر مفيد الترتب الآثار لكانت الماهية مستغنية عن الوجود حال إفتقارها إليه واللازم باطل لإستحالة إجتماع النقيضين فلا بد أن يكون الوجود موجودا بوجود هو نفسه وإلا لتسلسل أو إنتهى إلى وجود موجود بنفسه والأول باطل والثاني قاض بالمطلوب نعم الوجود بمعنى الموجودية حال لأنه صفة إعتبارية ليست بعرض ولا سلب ومع هذا يتعلق به الجعل لكن لا إبتداء بل بضم حصة من الوجود الموجود إلى الماهية فيترتب على ذلك إتصاف الماهية بالموجودية وظاهر أنه لا يلزم من عدم تعلق القدرة بالوجود بمعنى الموجودية إبتداء أن لا تتعلق به بوجه