كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
ولما فيه من مكابرة الحس ظاهراأنكره أهل الظاهر نعم يسلمه العارفون من أهل الشهود وناهيك بهم حتى إنهم زادوا على ذلك فقالوا : إن الجواهر لا تبقى زمانين أيضا والناس في لبس من خلق جديد وأنا أسلم ما قالوا وأفوض أمري إلى الله الذي لا يتقيد بشأن وقد كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان ثم المراد من هذا التمثيل تشبيه حال المنافقين في الشدة ولباس إيمانهم المبطن بالكفر المطرز بالخداع حذر القتل بحال ذوي مطر شديد فيه ما فيه يرقعون خروق آذانهم بأصابعهم حذر الهلاك إلى آخر ما علم من أوصافهم ووجه الشبه وجدان ما ينفع ظاهره وفي باطنه بلاء عظيم وقيل : شبه سبحانه المنافقين بأصحاب الصيب وإيمانهم المشوب يصيب فيه ما تلى من حيث أنه وإن كان نافعا في نفسه لكنه لما وجد كذا عاد نفعه ضرا ونفاقهم حذرا عن النكاية بجعل الأصابع في الآذان ممادها حذر الموت من حيث أنه لايرد من القدر شيئا وتحيرهم لشدة ما عني وجهلهم بما يأتون ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة إنتهزوها فرصة مع خوف أن يخطف أبصارهم فخطوا يسيرا ثم إذا خفى بقوا متقيدين لا حراك لهم وقيل : جعل الإسلام الذي هو سبب المنافع في الدارين كالصيب الذي هو سبب المنفعة وما في الإسلام من الشدائد والحدود بمنزلة الظلمات والرعد وما فيه من الغنيمة والمنافع بمنزلة البرق فهم قد جعلوا أصابعهم في آذانهم من سماع شدائده وإذا لمع لهم برق غنيمة مشوا فيه وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا متحيرين وقيل : غير ذلك وما تقتضيه جزالة التنزيل وتستدعيه فخامة شأنه الجليل غير خفي عليك إذا لمعت بوارق العناية لديك ومن البطون تشبيه من ذكر في التشبيه الأول بذوي صيب فيكون قوله تعالى : كلما أضاء إلخ إشارة إلى أنهم كلما وجدوا من طاعتهم حلاوة وعرضا عاجلا مشوا فيه وإذا حبس عليهم طريق الكرامات تركوا الطاعات وقال الحسين : إذا أضاء لهم مرادهم من الدنيا في الدين أكثروا من تحصيله وإذا أظلم عليهم قاموا متحيرين يا أيها الناس أعبدوا ربكم لما بين سبحانه فرق المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين وقال في الطائفة الأولى : الذين يؤمنون وفي الثانية سواء عليهم وفي الثالثة يخادعون الله وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه في الأولى : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وفي الثانية ختم الله على قلوبهم ولم عذاب عظيم وفي الثالثة في قلوبهم مرض ولم عذاب أليم بما كانوا يكذبون أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الإلتفات هزا لهم إلى الأصغاء وتوجيها لقلوبهم نحو التلقي وجبرا لما في العبادة من الكلفة بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود في البعض و يا حرف لا أسم فعل على الصحيح وضع لنداء البعيد وقيل : لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه وعلى الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو المنادي وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده وقد يكون ذلك للإعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر يقتضي الإعتناء والحث فأستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو إستعارة تبعية في الحرف أو مكنية وتخييلية وهو مع المنادي المنصوب لفظا أو تقديرا به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم الأضمار لظهور معناه مع قصد الإشناء كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن في نحو لا ونعم وأي لها معان شهيرة والواقعة في النداء نكرة موضوعة لبعض من كل ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه اللأن يا لا يدخل عليها في غير الله إلا شذوذا لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فأنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو فلا والله لا يلفي لما بي ولا للما بهم أبدا دواء