كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وأعطيت حكم المنادي وجعل المقصود بالنداء وصفا لها وألتزم فيه هذه الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافا للمازني فإنه أجاز نصبه وليس له في ذلك سلف ولا خلف لمخالفته للمسموع وإنما ألتزم ذلك إشعارا بأنه المقصود بالنداء ولا ينافي هذا كون الوصف تابعا غير مقصود بالنسبة لمتبوعه لأن ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرا عليه ما يجعله مقصودا في حد ذاته ككونه مفسرا لمبهم ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الإشتقاق مع أن النحويين إلا النذر كإبن الحاجب أشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في محله و ها التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد والتعويض عما تستحق من المضاف إليه أو ما في حكمه من التنوين كما في أيا ما تدعو وإن لم يستعمل هنا مضافا أصلا وكثر النداء في الكتاب المجيد على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيرا ما يقتضيه المقام بتكرر الذكر والإيضاح بعد الإبهام والتأكيد بحرف التنبيه وإجتماع التعريفين هذا ما ذهب إليه الجمهور وقطع الأخفش لضعف نظره بأن أيا الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوبا لمناسبة التخفيف للمنادي وأيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة وندوة وقوعها موصوفة وأعتذر عن عدم نصبها حينئذ مع أنها مضارعة للمضاف بأنه حذف صدر صلتها كان الأغلب فيها البناء على الضم فحرف النداء على هذا يكون داخلا على مبني على الضم ولم يغيره وإن كان مضارعا للمضاف ويؤيد الأول عدم الإحتياج إلى الحذف وصدق تعريف النعت والموافقة مع هذا وأنها لو كانت موصولة لجاز أن توصل بجملة فعلية أو ظرفية إلى غير ذلك مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب الجمهور نعم أورد عليه إشكال أستصعبه بعض من سلف من علماء العربية وقال : إنه لا جواب له وهو أن ما أدعوا كونه تابعا معرب بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هناك لأن متبوعه مبني لفظا ومنصوب محلا فلا وجه لرفعه وأقول : إن هذا من الأبحاث الواقعة بين أبي نزار وإبن الشجري وذلك أنه وقع سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو نزار أنها ضمة بناء وليست ضمة إعراب لأن ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة وكتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد أنها ضمة إعراب ولا يجوز أن تكون ضمة بناء ومن قال ذلك فقد غفل عن الصواب وذلك لأن الواقع عليه النداء أي المبنى على الضم لوقوعه موقع الحرف والأسم الواقع بعد وإن كان مقصودا بالنداء إلا أنه صفة أي فمحال أن يبني أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا ولهذا أجاز فيه المازني النصب على الموضع كما يجوز في يا زيد الظزيف وعلة الرفع أنه لماأستمر الضم في كل منادي معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت وأجاب إبن الشجري بما أجاب به الشيخ وكتب أنها ضمة إعراب لأن ضمة المنادي المفرد لها بإطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة لعدم إطراد العلة التي أوجبتها ولا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت بعامل لفظي ولما طردت الضمة في نحو يا زيد يا عمرو وكذلك أطردت في نحو يا رجل ياغلام إلى ما لا يحصى نزل الإطراد فيها منزلة العامل المعنوي الواقع للمبتدأ من حيث أطردت الرفعة في كل أسم إبتديء به مجردا عن عامل لفظي وجيء له بخبر كعمرو منطلق وزيد ذاهب إلى غير ذلك فلما أستمرت ضمة المنادي في معظم الأسماء كما أستمرت في الأسماء المعربة الضمةالحادثة عن الإبتداء شبهتها العرب بضمة المبتدأ فأتبعتها ضمة الإعراب في صفة المنادي في نحو يازيد الطويل وجمع بينهما أيضا أن الإطراد معنى كما أن الإبتداء كذلك ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى مناسبة بينهما حتى أنهم قد حملوا أشياء على نقائضها ألا ترى أنهم أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء في قراءة من قرأ الحمد لله بضم اللام وكذلك أتبعوا حركة البناء