كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

حركة الإعراب في نحو يا زيد بن عمرو في قول من فتح الدال من زيد إنتهى ملخصا وقد ذكر ذلك إبن الشجري في أماليه وأكثر في الحط على إبن نزار وبين ما وقع بينه وبينه مشافهة ولولا مزيد الإطالة لذكرته بعجره وبجره وأنت تعلم ما في ذلك كله من الوهن ولهذا قال بعض المحققين : إن الحق أنها حركة إتباع ومناسبة لضمة المنادي ككسر الميم من غلامي وحينئذ يندفع الأشكال كما لايخفى الكمال
بقى الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا والذي عليه الجمهور وهو المشهور أنها للتعريف كما تقدمت الإشارة إليه ولما سئل عن ذلك أبو نزار قال : إنها هناك ليست للتعريف لأن التعريف لا يكون إلا بين إثنين في ثالث واللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب ثم قال : والصحيح إنها دخلت بدلا منيا وأي وإن كان منادي إلا أن نداءه لفظي والمنادي على الحقيقة هو المقرون بأل ولما قصدوا تأكيد التنبيه وقدروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانياها وثالثا أل وتعقبه إبن الشجري قائلا : إن هذا قول فاسد بل اللام هناك لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلا ولكنها لما دخلت على أسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا ياأيها الرجل معناه يا رجل ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فأكتفى بإثنين لأن أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث ألا ترى أن قولك خرجت يا هذا وأنطلقت وأكرمتك لا حاجة به إلى ثالث وليس كل وجوه التعريف يقتضي أن يكون بين إثنين في ثالث فإن ضمير المتكلم في أنا خرجت معرفة إجماعا ولا يتوقف تعريفه على حضور ثالث وأيضا ما قص من حديث التعويض يستدعي بظاهره أن يكون أصل ياأيها الرجل مثلا يا أي يا يا رجل وأنهم عوضوا منيا الثانية ها ومن الثالثة الألف واللام وأنت تعلم أن هذا مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع وينكره الطبع فليفهم
والناس أسم جمع على ما حققه جمع والجموع وأسماؤها المحلاة بالعموم حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الإستثناء والأصل فيه الإتصال وهو يقتضي الدخول يقينا ولا يتصور إلا بالعموم ونحو ضربت زيدا إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشرة الأخير عام تأويلا وكذا التأكيد بما يفيد العموم إذ لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيسا والإتفاق على خلافه وشيوع إستدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما في حديث السقيفة وهم أئمة الهدى ثم هذا الخطاب في نحو ياأيها الناس يسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين قالوا : وليس عاما لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي والأول هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع وأما بمجرد الصيغة فلا وقالت الحنابلة : بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة وأستدل الأولون بأنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو ياأيها الناس قال العضد : وإنكاره مكابرة وبأنه أمتنع خطاب الصبي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد وأستدل الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول مخاطبا به لمن بعدهم لم يكن مرسلا إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك وهو إجماع على العموم لهم
وأجيب : أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة وهو لا يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاها وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم وأما عن الثاني فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر قاله غير واحد
وفي شرح العلامة الثاني للشرح العضدي أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد وقال بعض

الصفحة 183