كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
أجلة المحققين : إنه المشهور حتى قالوا إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من الدين المحمدي وهو الأقرب وقول العضد : إن إنكاره مكابرة حق لو كان الخطاب للمعدومين خاصة أما إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ومثله فصيح شائع وكل ما أستدل به على خلافه ضعيف إنتهى وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير إحتياج إلى دليل آخر وقد قيل : إنه من قبيل الخطاب العام الذي أجرى على غير ظاهره كما في قوله : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا هذا وعلى كل حال ما روى عن إبن مسعود وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه يا أيها الناس مكي و ياأيها الذين آمنوا مدني إن صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار بل هم أيضا داخلون فيه ومأمورون بإداء العبادة كالإعتقاد والأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به وكون الإيمان أصل العبادات ولو وجب بوجوبها إنقلب الأصل تبعا مردود بأن الإصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنه واجب إستقلالا أيضا والعجب كيف خفى على مشايخ سمرقند ! وهذا ماذهب إليه العراقيون والشافعية ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى : وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وقوله سبحانه : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وذهب البخاريون إلى أنهم مكلفون في حق الإعتقاد فقط وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم ينص ظاهرا على شيء في المسألة لكن في كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها ولعل ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف في الدنيا للإتفاق على أنهم ما داموا كفارا يمتنع منهم الأقدام عليها ولا يؤمرون بها وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم وإنما ثمرته في الآخرة وهو أنهم يعذبون على تركها كما يعذبون على ترك الإيمان عند من قال بوجوبها عليهم وعلى ترك الإيمان فقط عند من لم يقل وهذا في غير العقوبات والمعاملات أما هي فمتفق على خطابهم بها والأمر بالعبادة هنا للطوائف الثلاث بإعتبار أن المراد بها الشامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات فأعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقلة وهي من الكفار إبتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين مواظبة وليس الإبتداء والزيادة والمواظبة داخلا في المفهوم وضعا فلا محذور في شيء أصلا خلافا لمن توهمه فتكلف في دفعه وذكر سبحانه الرب ليشير إلى أن الموجب القريب للعبادة هي نعمة التربية وإن كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير واسطة أصلا سوى أنه هو هو فسبحانه من إله ما أعظمه ومن رب ما أكرمه
الذي خلقكم والذين من قبلكم الموصول صفة مادحة للرب وفيها أيضا تعليل العبادة أو الربوبية على ما قيل فإن كان الخطاب في ربكم شاملا للفرق الثلاث فذاك وإن خص بالمشركين وأريد بالرب ما تعورف بينهم من إطلاقه على غيره تعالى أحتمل أن تكون مقيدة إن حملت الإضافة على الجنس وموضحة إن حملت على العهد ولا يبعد على هذا أن تكون مادحة لأن المطلق يتبادر منه رب الأرباب إلا أن جعلها للتقييد والتوضيح أظهر بناء على ما كانوا فيه وتعريضا بما كانوا عليه ولأنه الأصل فلا يترك إلا بدليل والخلق الإختراع بلا مثال ويكون بمعنى التقدير وعلى الأول لا يتصف به سواه سبحانه وعلى الثاني قد يتصف به غيره ومنه فتبارك الله أحسن الخالقين وإذا تخلق من الطين وقول زهير : ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى ومن العجب أن أبا عبدالله البصري أستاذ القاضي عبدالجبار قال : إطلاق الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير