كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
كتحقق العلة سواء كان معه أطماع أم لا على ما قيل ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه أكثر الأشاعرة حيث منعوا تعليل أفعاله سبحانه بالأغراض لئلا يلزم إستكماله عز شأنه بالغير وهو محال لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح ومن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة والوقوف على ذلك في كل محل مما لا يلزم على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظيا لأن العلة إن فسرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل أمتنع ذلك في حقه سبحانه وإن فسرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهرا مع الغني الذاتي فلا شبهة في وقوعها ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند وإنما لم يقل سبحانه في النظم تعبدون لأجل أعبدوا أو أتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع إشتماله على صنعة بديعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على العبادة وأشد إلزاما كذا قيل وفي القلب منه شيء وسبب حذف مفعول تتقون مما لا يخفى وإبن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك والضحاك النار لا تقدر شيئا ولما أمر سبحانه المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته وإستحقاقه العبادة النظر في صنعه ولما كان التربية والخلق اللذان نيط بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثوابا حيث أنعم عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته عشر عشره وأستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لايرجعون وقد تقدم الكلام في ذلك فأرجع إليه الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء الموصول إما منصوب على أنه نعت ربكم أو بدل منه أو مقطوع بتقدير أخص أو أمدح وكونه مفعول تتقون كما قاله أبو البقاء إعراب غث ينزه القرآن عنه وكونه نعت الأول يرد عليه أن النعت لا ينعت عند الجمهور إلا في مثل يا أيها الفارس ذو الجمة وفيه أيضا غير مجمع عليه وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ أخبره جملة فلا تجعلوا والفاء قد تدخل في خبر الموصول بالماضي كقوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين إلى قوله تعالى : فلهم عذاب جهنم والأسم الظاهر يقوم مقام الرابط عند الأخفش والإنشاء يقع خبرا بالتأويل المشهور ومع هذا كله الأولى ترك ما أوجبه وأبرد من يخ قول من زعم أنه مبتدأ أخبره رزقا لكم بتقدير يرزق و جعل بمعنى صير والمنصوبان بعده مفعولاه وقيل : بمعنى أوجدو إنتصاب الثاني على الحالية أي أوجد الأرض حالة كونها مفترشة لكم فلا تحتاجون للسعي في جعلها كذلك ومعنى تصييرها فراشا أي كالفراش في صحة القعود والنوم عليها أنه سبحانه جعل بعضها بارزا عن الماء مع أن مقتضى طبعها أن يكون الماء بأعلاها لثقلها وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين ليتيسر التمكن عليها بلا مزيد كلفة فالتصير بإعتبار أنه لما كانت قابلة لما عدا ذلك فكأنه نقلت منه وإن صح ما نقل عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الأرض خلقت قبل خلق السماء غير مدحوة فدحيت بعد خلقها ومدت فأمر التصيير حينئذ ظاهر إلا أن كل الناس غير عالمين به والصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب والذهاب إلى الطوفان وإعتبار التصيير بالقياس إليه من إضطراب أمواج الجهل ولا ينافي كرويتها كونها فراشا لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في إفتراشه كما لا يخفى وعبر سبحانه هنا بجعل وفيما تقدم بخلق لإختلاف المقام أو تفننا في التعبير كما في قوله تعالى : خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وتقديم المفعول الغير الصريح