كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب عليه ! نستغفر الله تعالى مما يقولون فالله عزوجل يفعل بالأسباب التي أقتضتها الحكمة مع غناه عنها كما صح أن يفعل عندها لا بها وحديث الإستكمال يرده أن الإستكمال إنما يلزم لو توقف الفعل على ذلك السبب حقيقة واللازم باطل لقوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها ولكن بإذنه وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول : إلهي ما أودعتني شيئا ولا منحتني قوة وما أنا إلا كيد شلاء صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال أفيقال لليد الشلاء لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحرية بتلك المقالة ولا أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جوابا ولا أراهم يبدون فيه خطابا وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول ولا يوقعنك في شك منه نسبته للمعتزلة فإنهم يقولون ايضا لا إله إلا الله أفتشك فيها لأنهم قالوها معاذ الله تعالى من التعصب فالحكمة ضالة المؤمن والحق أحق بالإتباع والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل
فلا تجعلوا لله أندادا نهى معطوف علىأعبدوا مترتب عليه فكأنه قيل : إذا وجب عليكم عبادة ربكم فلا تجعلوا لله ندا وأفردوه بالعبادة إذ لا رب لكم سواه وإيقاع الأسم الجليل موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات وتعليل الحكم بوصف الألوهية التي عليها يدور أمر الواحدانية وإستحالة الشركة والإيذان بإستتباغها لسائر الصفات وقيل : لفظ الرب مستعمل في المفهوم الكلي والله علم للجزئي الحقيقي الواجب الوجود تعالى شأنه فلا يكون من وضع المظهر موضع المضمر وحينئذ يظهر الفرق بين هذه الآية الكريمة حيث علق العبادة بصفة الربوبية فالمناسب الفاء وبين قوله تعالى : أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا حيث علق العبادة وعدم الشرك بذاته تعالى فالمناسب الواو فلا يرد أن المناسب على هذا الواو كما في الآية الثانية أو نفي منصوب بإضمار أن جواب للأمر كما قاله مولانا البيضاوي : وأعترض بأنه يأباه إن ذلك فيما يكون الأول سببا للثاني ولا ريب في أن العبادة لا تكون سببا للتوحيد الذي هو أصلها ومنشؤها وأجيب بأن عبادته تعالى أساسها التوحيد وعدم الإشراك به وأما عبادة الرب فليس اصلها عدم الإشراك بذاته تعالى بل من متفرعاته والحق أن الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولاصولهم وإبداع الكائنات العظيمة والتفضل بإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرفتهم به فمحصلها أعبدوا الله تعالى الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها ولا شك في أن العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك إذ من عرف الله تعالى لا يسوي به سواه فالذي سول للمعترض النظر للعبادة وقطع النظر عن المعرفة ويحتمل أن يكون متعلقا بلعل فينصب الفعل نصب فأطلع على قراءة جعفر من لعلي أبلغ الأسباب إلخ على رأي إلحاقا بالأشياء الستة لأنها غير موجبة لحصول ما يتضمنها فتكون كالشرط في عدم التحقق والقول بالإلحاق لها بليت تنزيلا للمرجو منزلة المتمني في عدم الوقوع يؤول إلى هذا إن أريد بعدم الوقوع عدمه في حال الحكم لا إستحالته والمعنى خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه