كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

فلا تشبهوه بخلقه فأفهم ويحتمل أن تكون الفاء زائدة مشعرة بالسببية وجملة النهيب تأويل القول خبر عن الذي على جعله مبتدأ وقيل : الجملة متعلقة بالذي والفاء جزاء شرط محذوف والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم المتكاثرة وإذا كان كذلك فلا تجعلوا إلخ والجعل هنا بمعنى التصيير وهو كما يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا ومنه ما تقدم على وجه يكون بالقول والعقد والأنداد ندك عدل وأعدال أو نديدك يتيم وأيتام والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح وأصله من ند ندودا إذا نفر وقيل : الند المشارك في الجوهرية فقط والشكل المشارك في القدر والمساحة والشبه المشارك في الكيفية فقط والمساوي في الكمية فقط والمثل عام في جميع ذلك وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله أندادا والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه في أفعاله وإنما عبدوها لتقربهم إليه سبحانه زلفى إشارة إلى إستعارة تهكمية حيث أستعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما أستعير التبشير للإنذار والأسد للجبان وإن أريد بالند النظير مطلقا لم يكن هناك تضاد وإنما هو من إستعارة أحد المتشابهين للآخر فإن المشركين جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم وأحوالهممماثلة له تعالى في العبادة وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم ولعل الأول أولى وفي الأتيان بالجمع تشنيع عليهم حيث جعلوا أندادا لمن يستحيل أن يكون له ند واحد ولله در موحد الفترة زيد بن عمر بن نفيل رضي الله تعالى عنه حيث يقول في ذلك : أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الرجل البصير وأنتم تعلمون 22 حال من ضمير لا تجعلوا والمفعول مطروحأي وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم أي تعلمون أنه سبحانه لا يماثله شيء أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله والحال على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد إذ العلم مناط التكليف ولا تكليف عند عدم الأهلية وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير لأن قيد الحكم تعليق العلم بالمفعول ومناط التكليف العلم فقط والتوبيخ بإعتبار بعض أفراد المخاطبين بالنهي بناء على عموم الخطاب حسبما مر في الأمر فلا يستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمرا ونهيا بل قيل : إنه أولى للخلاص من التكلف وحسن الإنتظام إذ لا محيص في ظاهر آية التحدي من تجريد الخطاب وتخصيصه بالكفرة مع ما فيه من رباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حين الإنتظام في سلك الكفرة اللئام والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي فتأمل
وقد تضمنت هذه الآيات من بدائع الصنعة ودقائق الحكمة وظهور البراهين ما أقتضى أنه تعالى المنفرد بالإيجاد المستحق للعبادة دون غيره من الأنداد التي لا تخلق ولا ترزق وليس لها نفع ولا ضر ألا لله الخلق والأمر ومن باب الإشارة أنه تعالى مثل البدن بالأرض والنفس بالسماء والعقل بالماء وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمية والعملية المحصلة بواسطة إستعمال العقل والحس وإزدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من إزدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بإذن الفاعل المختار وقد يقال : إنه تعالى لما أمتن عليهم بأنه سبحانه خلقهم والذين من قبله مذكر ما يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الرجل وهي ايضا تسمى فراشا وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها وضرب

الصفحة 191