كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الماء النازل من السماء مثلا للنطفة التي تنزل من صلب الأب وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات مثلا للولد الذي يخرج من الأم كل ذلك ليؤنس عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج أشجارها من بطن الأرض فإذا وضح ذلك لهم أفردوه بالألوهية وخصوه بالعبادة وحصلت لهم الهداية : تأمل في رياض الأرض وأنظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات على أهدابها ذهب سبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالآية وإن سيقت لبيان الأعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة وفي التعقيب إشارة إلى الرد على التعليمية الذين جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول والحشوية القائلين بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار والعطف إما على قوله تعالى : أعبدوا ربكم أو على لا تجعلوا وتوجيه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفي الشرك بإزاء تلك الآيات والإنقياد لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من عنده سبحانه أرشدهم بما يوجب هذا العلم ولذا لم يقل جل شأنه وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا غير وجيه إذ يصير عليه البرهان العقلي سمعيا ولو أريد ذلك لك فى أعبدوا ولا تشركوا من دون تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية والظاهر أن الخطاب هنا للكفار وهو المروي عن الحسن وقيل لليهود : لما أن سبب النزول كما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم قالوا هذا الذي يأتينا به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه وقيل : هو على نحو الخطاب في أعبدوا وكلمة إن إما للتوبيخ على الأرتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن يثبت إلا على سبيل الفرض لإشتمال المقام على ما يزيله أو لتغليب من لا قطع بإرتيابهم على من سواهم أولان البعض لما كان مرتابا والبعض غير مرتاب جعل الجميع كأنه لا قطع بإرتيابهم ولا بعدمه وجعلها بمعنى إذ كما أدعاه بعض المفسرين خلاف مذهب المحققين وإيراد كلمة كان لإبقاء معنى المضي فإنها لتمحضها للزمان لا تقلبها أن إلى معنى الإستقبال كما ذهب إليه المبرد وموافق وهوالجمهور على أنها كسائر الأفعال الماضية وقدر بعضهم بينها وبين إن يكن أو تبين مثلا ولا يميل إليه الفؤاد وتنكير الريب للإشعار بأن حقه إن كان أن يكون ضعيفا قليلا لسطوع ما يدفعه وقوة ما يزيله وجعله ظرفا بتنزيل المعاني منزلة الأجرام وأستقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي إعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته و من إبتدائية صفة ريب ولا يجوز أن تكون للتبعيض وحملها على السببية ربما يوهم كون المنزل محلا للريب وحاشاه و ما موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب وقيل : عن القدر المشترك بينه وبين ابعاضه ومعنى كونهم فيريب منه إرتيابهم في كونه وحيا من الله تعالى شأنه والتضعيف في نزلنا للنقل وهو المرداف للهمزة ويؤيد ذلك قراءة زيد بن قطيب أنزلنا وليس التضعيف هنا دالا على نزوله منجما ليكون إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ إرتيابهم فقد قالوا : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير ممن يعقد عند