كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو إنما يكون غالبا في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو فتحت وقطعت ونزلنا لم يكن معتديا قبل وأيضا التضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعديا فلا والفعل هنا كان لازما فكون التعدي مستفادا من التضعيف دليل على أنه للنقل لا للتكثير وأيضا لو كان نزل مفيدا للتنجيم لأحتاج قوله تعالى : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة إلى تأويل لمنافاة العجز الصدر وكذا مثل لولا نزل عليه آية ولنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا وقد قريء بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم والتكثير وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلا قليلا كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلا قليلا قالوا : ونظيره تدرج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك فحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازا أو إشتراكا فلا يلزم إطراده بعيد لا سيما مع خفاء القرينة وفي تعد ينزل بعلي إشارة إلى إستعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منهو أنه صار كاللابس له بخلاف إلى إذ لا دلالة لها على أكثر من الإنتهاء والوصول وفي ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة تنبيه على عظم قدره وإختصاصه به وإنقياده لأوامره وفي ذلك غاية التشريف والتنويه بقدره صلى الله تعالى عليه وسلم لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي وقريء عبادنا فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمته لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به لا تختص بل يشترك فيها المتبوع والتابع فجعل كأنه نزل عليهم ويحتمل أنه أريد النبيون الذين أنزل عليهم الوحي والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أول مقصود وأسبق داخل لأنه الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه وفيه إيذان الأرتياب فيه إرتياب فيما أنزل من قبله لكونه مصدقا له ومهيمنا عليه وبعضهم جعل الخطاب على هذا لمنكري النبوات الذين حكى الله تعالى عنهم بقوله : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء وفي الآية إلتفات من الغائب إلى ضمير المتكلم والإ لقال سبحانه مما نزل على عبده لكنه عدل سبحانه إلى ذلك تفخيما للمنزل أو المنزل عليه لا سيما وقد أتى بنا المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر رعاية لرفعة شأنه عليه الصلاة و السلام والفاء من فأتوا جوابية وأمر السببية ظاهر والأمر من باب التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى : فأت بها من المغرب وهو من الأتيان بمعنى المجيء بسهولة كيفما كان ويقال في الخير والشر والأعيان والأعراض ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي ك لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وأصل فأتوا فأتيوا فأعل الأعلال المشهور وأتى شذوذا حذف الفاء فقيل ت وتوا والتنوين في سورة للتنكير أي أئتوا بسورة ما وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الأرتياب ما لا يخفى
و من مثله إما أن يكون ظرفا مستقرا صفة لسورة والضمير راجع إما لما التي هي عبارة عن المنزل أو للعبد وعلى الأول يحتمل أن تكون من للتبعيض أو للتبيين والأخفش يجوز زيادتها في مثله والمعنى بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة والأسلوب المعجز وهذا على الأخيرين ظاهر وإما على التبعيض فلأنه لم يرد بالمثل مثل محقق معين للقرآن بل ما يماثله فرضا كما قيل : في مثلك لا يجهل ولا شك أن بعضيتها للمماثل الفرضي لازمة

الصفحة 193