كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكا لطريق الكناية مع ما في لفظ من التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة لمقام التحدي وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من التصريح بما علم ضمنا حيث أن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة إلا أنه مؤيد بما يأتي وعلى الثاني يتعين أن تكون من للإبتداء مثلها في إنه من سليمان ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة إمتناع الإبتداء في الوجه الأول وإما أن تكون صلة فأتوا
والشائع أنه يتعين حينئذ عود الضمير للعبد لأن من لا تكون بيانية إذ لا مبهم ولكونه مستقرا أبدا لا تتعلق بالأمر لغوا ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعا عليه حقيقة كما في أخذت من الدراهمولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الأتيان بالبعض ولا مجال لتقدير الباء مع وجود من ولأنه يلزم أن يكون بسورة ضائعا فتعين أن تكون إبتدائية وحينئذ يجب كون الضمير للعبد لا للمنزل وجعل المتكلم مبدأ عرف اللإتيان بالكلام منه معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للإتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة سليمة وأيضا المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي أو الغائي أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئا من ذلك وعليه يكون إعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفادا من لفظ السورة ومساق الكلام بمعونة المقام
وأعترض بأن معنى من لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة وجعلنا منكم ملائكة وللمجاوزة كعذت منه فعلى هذأ لو علق من مثله ب فأتوا وحمل من على البدل أو المجاوزة ومثل على المقحم ورجع الضمير إلى ما أنزلنا على معنى فأتوا بدل ذلك الكتاب العظيم شأنه الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره بسورة فذة لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز على أن عدم صحة شيء مما أعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين المكان والمتمكن فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل الكل مبدأ للإتيان بالبعض ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه : وبنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو قرأت من أول السورة إلى آخرها وأعطيتك من درهم إلى دينار وأيضا فالإتيان ببعض الشيء تفريقه منه ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه ويمكن أن يقال وهو الذي أختاره مولانا الشهاب أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه فمقتضى المقام أن يقال لهم : معاشر الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله أئتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الأعجاز ونظمه وما ذكر يدل على هذا إذا كان من مثله صفة سورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأن معناه أئتوا سورة تمثله في البلاغة كائنة من كلام أحد مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو أئتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضا فإذا تعلق ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضا أئتوا من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا ولو رجع على هذا لما كان معناه أئتوا من مثل هذا المنزل بسورة ولا شك أن من ليست بيانية لأنها لا تكون لغوا ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي إبتدائية والمبدأ ليس فاعليا بل ماديا فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وإبتناؤه على الزعم أو الفرض تعسف بلا مقتض أولا ولا يليق بالتنزيل وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له ! والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد و ما على تقديري اللغو والإستقرار