كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أمر ممكن ودائرة التأويل واسعة والإستحسان مفوض إلى الذوق السليم والذي يدركه ذوقيولا أزكي نفسي أنه على تقدير التعلق يكون رجوع الضمير إلى العبد أحلى والبحث في هذه الآية مشهور وقد جرى فيه بين العضد والجاربردي ما أدى إلى تأليف الرسائل في الإنتصار لكل وقد وفقت للوقوف على كثير منها والحمد لله ونقلت نبذة منها في الأجوبة العراقية ثم أولى الوجوه هنا على الأطلاق جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل و من بيانية أما أولا فلأنه الموافق لنظائره من آيات التحدي كقوله تعالى : فأتوا بسورة مثله لأن المماثلة فيها صفة للمأتي به وأما ثانيا فلأن الكلام في المنزل لا المنزل عليه وذكره إنما وقع تبعا ولو عاد الضمير إليه ترك التصريح بمماثلة السورة وهو عمدة التحدي وإن فهم وأما ثالثا فلأن أمر الجم الغفير لأن يأتوا من مثل ما أتي به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا أحدا يأتي بمثل ما أتي به رجل آخر وأما رابعا فلأنه لو رجع الضمير للعبد لأوهم أن إعجازه لكونه ممن لم يدرس ولم يكتب لا أنه في نفسه معجز مع أن الواقع هذا وبعضهم رجح رد الضمير إلى العبد صلى الله تعالى عليه وسلم بإشتماله على معنى مستبدع مستجد وبأن الكلام مسوق للمنزل عليه إذ التوحيد والتصديق بالنبوة توأمان فالمقصود إثبات النبوة والحجة ذريعة فلا يلزم من الإفتتاح بذكر ما نزلنا أن يكون الكلام مسوقا له وبأن التحدي على ذلك أبلغ لأن المعنى أجتمعوا كلكم وانظروا هل يتيسر لكم الإتيان بسورة ممن لم يمارس الكتب ولم يدرس العلوم ! وضم بنات أفكار بعضهم إلى بعض معارض بهذه الحجة بل هي أقوى في الإفحام إذ لا يبعد أن يعارضوه بما يصدر عن بعض علمائهم مما أشتمل على قصص الأمم الخالية المنقولة من الكتب الماضية وإن كان بينهما بون إذ الغريق يتشبث بالحشيش وأما إذا تحدى بسورة من أمي كذا وكذا لم يبق للعوارض مجال هذا ولا يخفى أنه صرح ممرد ونحاس مموه وظاهر السباق يؤيد ما قلنا ويلائمه ظاهرا كما سنبينه بمنه تعالى وقوله تعالى : وأدعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين 32 الدعاء النداء والإستعانة ولعل الثاني مجاز أو كناية مبنية على النداء لأن الشخص إنما ينادي ليستعان به ومنه أغير الله تدعون والشهداء جمع شهيدا وشاهد والشهيد كما قال الراغب : كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد ولذا سموا غيره مخلفا وجاء بمعنى الحاضر والقائم بالشهادة والناصر والإمام أيضا و دون ظرف مكان لا يتصرف ويستعمل بمن كثيرا وبالباء وخصه في البحر بمن دونها ورفعه في قوله : ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو كعند إلا أنها تنبيء عن دنو كثير وإنحطاط يسير ومنه دونك أسم فعل لا تدوين الكتب خلافا للبيضاوي كما قيل لأنه من الديوان الدفتر ومحله وهي فارسي معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب في كتابهم وحسابهم ديوانه وقد يقال لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما أشتركت فيه اللغتان وقد أستعمل في إنحطاط محسوس لا في ظرفك دون زيد في القامة ثم أستعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيها بالمراتب الحسية كدون عمرو شرفا ولشيوع ذلك أتسع في هذا المستعار فأستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ولو من دون تفاوت وإنحطاط وهو بهذا المعنى قريب من غير فكأنه أداة إستثناء ومن الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بأل ويقطع عن الإضافة كما في قوله : إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون من كان دونا وما في القاموس من أنه يقال رجل من دون ولا يقال دون مخالف للدراية والرواية وليس عندي

الصفحة 195