كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وجه وجيه في توجيهه والمشهور أنه ليس لهذا فعل وقيل يقال : دان يدين منه وإستعماله بمعنى فضلا وعليه حمل قول أبي تمام : الود للقربى ولكن عرفه للأبعد الأوطان دون الأقرب لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا : يكون بمعنى وراءك أمام وبمعنى فوق ونقيضا له و من لإبتداء الغاية متعلقة بادعوا ودون تستعمل بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والمعنى أدعوا إلى المعارضة من يحضركم أو من ينصركم بزعمكم متجاوزين الله تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه والأمر للتعجيز والإرشاد أو أدعوا من دون الله من يقيم لكم الشهادة بأن ما أتيتم به مماثله فإنهم لا يشهدون ولا تدعوا الله تعالى للشهادة بأن تقولوا الله تعالى شاهد وعالم بأنه مثله فإن ذلك علامة العجز والإنقطاع عن إقامة البينة والأمر حينئذ للتبكيت والشهيد الأول بمعنى الحاضر وعلى الثاني بمعنى الناصر وعلى الثالث بمعنى القائم بالشهادة قيل : ولا يجوز أن يكون بمعنى الإمام بأن يكون المراد بالشهداء الآلهة الباطلة لأن الأمر بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكما ولو قيل : أدعوا الأصنام ولا تدعوا الله تعالى ولا تستظهروا به لأنقلب الأمر من التهكم إلى الإمتحان إذ لا دخل لإخراج الله تعالى عن الدعاء في التهكم وفيه أن أي تهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم أستعينوا بالجماد ولا تلتفتوا نحو رب العباد ولا يجوز حينئذ أن تجعل دون بمعنى القدام إذ لا معنى لأن يقال أدعوها بين يدي الله تعالى أي في القيامة للإستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا وجوزوا أن تتعلق من ب شهداءكم وهي للإبتداء أيضا و دون بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والعامل فيه معنى الفعل المستفاد من إضافةالشهداء أعني الإتخاذ والمعنى أدعوا الذين أتخذتموهم أولياء من دون الله تعالى وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة ويحتمل أن يكون دون بمعنى أمام حقيقة أو مستعارا من معناه الحقيقي الذي يناسبه أعني به أدنى مكان من الشيء وهو ظرف لغو معمول لشهداء ويكفيه رائحة الفعل فلا حاجة إلى الإعتماد ولا إلى تقدير ليشهدوا و من للتبعيض كما قالوا في من بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين وظاهر كلام الدماميني في شرح التسهيل أنها زائدة وهو مذهب إبن مالك والجمهور على أنها إبتدائية والمعنى أدعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله عز و جل على زعمكم والأمر للتهكم وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيح له بتذكير ما أعتقدوه من أنها من الله تعالى بمكان وأنها تنفعهم بشهادتهم كأنه قيل : هؤلاء عدتكم وملاذكم فأدعوهم لهذه العظيمة النازلة بكمفلا عطر بعد عروس وما وراء عبادان قرية ولم تجعل دون بمعنى التجاوز لأنهم لا يزعمون شركته تعالى مع الأصنام في الشهادة فلا وجه للإخراج وقيل يجوز أن تكون من للإبتداء والظرف حال ويحذف من الكلام مضاف والمعنى أدعوا شهداءكم من فصحاء العرب وهم أولياء الأصنام متجاوزين في ذلك أولياء الله ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله والمقصود بالأمر حينئذ إرخاء العنان والإستدراج إلى غاية التبكيت كأنه قي : تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى شهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضا لا يشهدون لكم حذارا من اللائمة وأنفة من الشهادة البتة البطلان كيف لا وأمر الأعجاز قد بلغ من الظهور إلى حيث لم يبق إلى إنكاره سبيل وإخراج الله تعالى على بعض الوجوه لتأكيد تناول المستثنى منه بجميع ما عداه لا لبيان إستبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه لإيهامه إنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه وعلى بعض للتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم في عروة المحادة والمشاقة له قاصرين إستظهارهم على ما سواه والإلتفات إما لإدخال الروع وتربية المهابة أو للإيذان بكمال سخافة عقولهم حيث آثروا على عبادة من له الألوهية الجامعة عبادة من لا أحقر منه والصدق مطابقة الواقع والمذاهب فيه مشهورة وجواب إن محذوف

الصفحة 196