كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
عن الأسماء الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذرا من التكرير والظاهر أن فيما عبر عنه إيجازا وكناية وإيهام نفي الإتيان بالمثل وما يدانيه بل وغيره وإن لم يكن مرادا ولن كلا في نفي المستقبل وإن فارقتها بالأختصاص بالمضارع وعمل النصب إلا فيما شذ من الجزم بها في قوله : لن يخب الآن من رجاك ومن حرك من دون بابك الحلقة ولا تقتضي النفي على التأييد وإن أفادت التأكيد والتشديد ولا طول مدة أو قلتها خلافا لبعضهم وليس أصله الا أنكما روى عن الخليل : فحذفت الهمزة لكثرتها وسقطت الألف للساكنين وتغير الحكم وصار لن تضرب كلاما تاما دون أن ومصحوبها وقيل : به لقوله : يرجى المرء ما لا أن يلاقيه ويعرض دون أقربه الخطوب وإحتمال زيادة أن يوهن الإحتجاج ولا لاكما عند الفراء فأبدلت ألفه نونا إذ لا داعي إلى ذلك وهو خلاف الأصل والجملة إعتراض بين جزئي الشرطية ظاهرا مقرر لمضمون مقدمها ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها وهذه معجزة باهرة حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به سبحانه وقد وقع الأمر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشيء يدانيه لتناقله الرواة لتوفر الدواعي وما أتي به نحو مسيلمة الكذاب مما تضحك منه الثكلى لم يقصد به المعارضة وإنما أدعاه وحيا وقوله سبحانه : فأتقوا جواب للشرط على أن إلتقاء النار كناية عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق والإيمان به أو عن الإيمان نفسه وبهذا يندفع ما يتوهم من أن إتقاء النار لازم من غير توقف على هذا الشرط فما معنى التعليق وأيضا الشرط سبب أو ملزوم للجزاء وليس عدم الفعل سببا للإتقاء ولا ملزوما له فكيف وقع جزاء له وبعضهم قدر لذلك جوابا وإلتزامه جملة خبرية لأن الإنشائية لا تقع جزاء كما لا تقع خبرا إلا بتأويل والزمخشري لا يوجب ذلك فيها لعدم الحمل المقتضى له والوقود بالفتح كما قرأ به الجمهور ما يوقد به النار وكذا كل ما كان على فعول أسم لما يفعل به في المشهور وقد يكون مصدرا عند بعض وحكوا ولوعا وقبولا ووضوءا وطهورا ووزوعا ولغوبا وقرأ عبيد بن عمير وقيدها وعيسى بن عمرو وغيره وقودها بالضم فإن كان أسما لما يوقد به كالمفتوح فذاك وإن كان مصدراكما قيل في سائر ما كان على فعول فحمله على النار للمبالغة وللتجوز فيه أو في التشبيه أو بتقدير مضاف أولا كذو وقودها أو ثانيا كإحتراق وهو نفسه خارجا غيره مفهوما وذاك مصداق الحمل وحكى إن من العرب من يجعل المفتوح مصدرا والمضموم إسما فينعكس الحال فيما نحن فيه والحجارة كحجار جمع كثرة لحجر وجمع القلة أحجار وجمع فعل بفتحتين على فعال شاذ وإبن مالك في التسهيل يقول : إنه اسم جمع لغلبة وزنه في المفردات وهو الظاهر والمراد بها على ما صح عن إبن عباس وإبن مسعود رضي الله تعالى عنهم ولمثل ذلك حكم الرفع حجارة الكبريت وفيها من شدة الحر وكثرة الإلتهاب وسرعة الإيقاد ومزيد الإلتصاق بالأبدان وإعداد أهل النار أن يكونوا حطبا مع نتن ريح وكثرة دخان ووفور كثافة ما نعوذ بالله منه وفي ذلك تهويل لشأن النار وتنفير عما يجر إليها بما هو معلوم في الشاهد وإن كان الأمر وراء ذلك فالعالم وراء هذا العالم وعيلم قدرة الجبار سبحانه وتعالى يضمحل فيه هذا العيلم وقيل : المراد بها الأصنام التي ينحتونها وقرنها بهم في الآخرة زيادة لتحسرهم حيث بدا لهم نقيض ما كانوا يتوقعون وهناك يتم لهم نوعان من العذاب روحاني وجسماني ويؤيد هذا قوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم