كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أهل الجنة الجنة من مقعر فك الثوابت إلى أسفل السافلين فلهذا كله يزاد إلى ما هو الآن ولذا كان يقول عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : إذا رأى البحر يا بحر متى تعود نارا وكان يكره الوضوء بمائه ويوقل : التيمم أحب إلي منه وقال تعالى : وإذا البحار سجرت أي أججت وليس للكفار اليوم مكث فيها وإنما يعرضون عليها كما قال تعالى : بكرة وعشيا وهي ناران حسية مسلطة على ظاهر الجسم والأحساس والحيوانية : ومعنوية وهي التي تطلع على الأفئدة وبها يعذب الروح المدبر للهيكل الذي أمر فعصى والمخالفة وهي عين الجهل بمن أستكبر عليه أشد العذاب وقد أطالوا الكلام في ذلك وأتوا بالعجب العجاب وحقيقة الأمر عندي لا يعلمها إلا الله تعالى ولا شيء أحسن من التسليم لما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فكيفية ما في تلك النشأة الأخروية مما لا يمكن أن تعلم كما ينبغي لمن غرق في بحار العلائق الدنيوية وماذا على إذا آمنت بما جاء مما أخبر به الصادق من الأمور السمعية مما لا يستحيل على ما جاء وفوضت الأمر إلى خالق الأرض والسماء أسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار عقب بالمؤمنين وما لهم جريا على السنة الألهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وبنفعه اللطف ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة واتناسب بينهما بإعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين وهل هو معطوف على وإن كنتم إلى أعدت أو على فإن لم تفعلوا الآية قولان أختار السيد أولهما وأدعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة وأدعى لتلائم النظم لأن ياأيها الناس أعبدوا خطاب عام يشمل الفريقين وإن كنتم إلخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار وبشر إلخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادته ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق والسعد أختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم وقيل عطف على فأتقوا وتغاير المخاطبين لا يضر ك يوسف أعرض عن هذا وأستغفري وترتبه على الشرط بحكم العطف بإعتبار أن أتقوا إنذار وتخويف للكفار وبشر تبشير للمؤمنين وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم إستيجاب منكره العقاب ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت وإستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه فلا فرق وقد يقال إن الجزاء فمنوا محذوفا والمذكور قائم مقامه فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فمنوا وبشر الذين آمنوا أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير وفيه حث لهم على الإيمان ولعله أقل مؤنة وأختار صاحب الإيضاح عطفه على أنذر مقدرا بعد جملة أعدت وقيل : عطف على قلقبل وإن لم تفعلوا وتقديره قبل ياأيها الناس يحوج إلى إجراء مما نزلنا على عبدنا على طريقة كلام العظماء أو تقدير قال الله بعد قل والبشارة بالكسر والضم أسم من بشر بشرا وبشورا وتفتح الباء فتكون بمعنى الجمال وفي الفعل لغتان التشديد وهي العليا والتخفيف وهي لغة أهل تهامة وقريء بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول فإن واحدا كان فعل فيه مغنيا عن فعل وفسروها في المشهور وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المخبر علم به وأشترط بعضهم أن يكون صدقا وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزنا أو سرورا وكثر إستعماله في الخير وصححه في البحر وبشرهم بعذاب أليم ظاهر عليه ومن باب التهكم

الصفحة 200