كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل : كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم بشر المشائين إلى المساجد الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعا لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيما لشأنهم وإيذانا تاما بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم وقيل : تغيير للإسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم حلة عبوديته في قوله : مما نزلنا على عبدنا ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم وفي ذلك من الطف به صلى الله تعالى عليه وسلم وبهم ما لا يخفى
وقرأ زيد بن علي وبشر مبنيا للمفعول وهو معطوف على أعدت كما أشتهر وقيل : إنه خبر بمعنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفا وتعليق التبشير بالموصول للأشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده وجعل صلته فعلا مفيدا للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالأتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الإستمرار على الكفر ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي إنتفاء البشارة عند إنتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان ومتعلق آمنوا مما لا يخفى وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عزوجل و الصالحات جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح أسم فاعل من صلح صلوحا وصلاحا خلاف فسدت ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها إسماوألفيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو اريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الإثنان والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد فالمؤمن الذي لم يعمل أصلا أو عمل واحدا غير داخل في الآية ومعرفة كونه مبشرا من مواقع أخر وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلا كان أو كثيرا وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد وليس هذا توزيعا في المشهور كركب القوم دوابهم إذ قد يطلق ايضا على مقابلة أشياء باشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد كالمثال أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه وأغسلوا وجوهكم وأيديكم والسيد يسمى هذا شائبة التوريع أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار أراد سبحانه بأن لهم إلخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لإطراد حذف الجار مع أن وأن بغير عوض لطولهما بالصلة ومع غيرهما فيه خلاف مشهور وفي المحل بعد الحذف قولان النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للإستحقاق وكيفيته مستفداة من خارج ولا إستحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلا وكرما لكن بشرط الموت على الإيمان والجنة في الأصل المرة من الجنب الفتح مصدر جنه إذا ستره ومدار التركيب على الستر ثم سمى بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل