كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها وإستغنائهم عن الأولاد على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثارا في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن فإن كن من الحوركما روى عن عبدالله فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي وإن كن من بني آدمكما روى عن الحسنمن عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجشام والأخلاق والأفعال جميعا فيكون عاما هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقا منصرفا إلى الكامل وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل فإن المعهود من إرادة الكمال إرادة أعلى أفراده لا الجميع وقرأ زيد بن علي مطهرات بناء على طهرن لأطهرتكما في الأولى ولعلها أولى إستعمالا وإن كان الكل فصيحا لأنهم قالوا : جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة فإن كان جمع كثرة فمجيء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات وإن كان جمع قلة فالعكس وكذلك إذا كان ضميرا عائدا على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء كبلغن أجلهن و يرضعن أولادهن ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة ومجيء هذه الصفة مبينة للمفعول ولم تأت طاهرة وصف من طهر بالفتح على الأفصح أو طهر بالضم وعلى الأول قياس وعلى الثاني شاء للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهرا وليس سوى الله تعالى وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه ! وقرأ عبيد بن عمير مطهرة واصله متطهرة فأدغم ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه إنتقالا أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع وعندنا البقاء الطويل إنقطع أو لم ينقطع وإستعماله في المكث الدائم من حيث أنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا وقد شهدت له الآيات والسنن والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر والأولية تقدمه على جميع المخلوقات والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان تعالى عن ذلك وإن علم لزم الإنتهاء وهو بعد الفناء ولنا النصوص الدالة على التأييد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل : البؤس خير من نعيم زائل والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ومعنى الأول والآخر ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا إبتداء ولا إنتهاء له في ذاته من غير إستناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم والخلق ليسوا كذلك فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد ! أفيقال : إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية تبا للجهمية ما أجهلهم وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للإستحالات المؤدية إلى الإنحلال والإنفكاك فكيف يمكن التأييد وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد ! على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادرا مختارا ولا فاعل في الوجود إلا هو فلم لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل أو إن تحللت فلم لا يجوز أن يخلق بدل

الصفحة 205