كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ما تحلل دائما ابدا وسبحان القادر الحكيم الذي لا يعجزه شيء إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة قال إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره : نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر قالوا : إن الله تعالى أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله تعالى عليهم بهذه الآية ووجه ربطها بما تقدم على هذاوكان المناسب عليه أن توضع في سورة العنكبوت مثلا أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فهي من الريب الذي هو في غاية الإضمحلال فكان ذكرها هنا أنسب وقال مجاهد وغيره : نزلت في المنافقين قالوالما ضرب الله سبحانه المثل بالمستوقد والصيب الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها فرد الله تعالى عليهم ووجه الربط عليه ظاهر فإنها للذب عن التمثيلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه وقيل : إنها متصلة بقوله تعالى : فلا تجعلوا لله أنداد أي لا يستحي أن يضرب مثلا لهذه الأنداد وقيل : هذا مثل ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت كذلك أهل الدنيا إذا أمتلؤا منها هلكوا أو مثل لأعمال العباد وأنه لا يمتنع أن يذكر منها ما قل أو كثر ليجازي عليه ثوابا وعقابا وعلى هذين للقولين لا سرتباط للآية بما قبلها بل هي إبتداء كلام : وهذا وإن جاز لا أقول به إذ المناسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وفي الآية إشارة إلى حسن التمثيل كيف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حكمته لم يتركه ولم يستح منه
وما أنفكت الأمثال في الناس سائره
والحياء كما قال الراغب إنقباض النفس عن القبائح وهو مركب من جبن وعفة وليس هو الخجل بل ذاك حيرة النفس لفرط الحياء فهما متغايران وإن تلازما وقال بعضهم : الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله وما في القاموس خجل أستحيي تسامح وهو مشتق من الحياة لأنه يؤثر في القوة المختصة بالحيوان وهي قوة الحس والحركة والآية تشعر بصحة نسبة الحياء إليه تعالى لأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو شأنه على أن النفي داخل على كلام فيه قيد فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل وأما في الأحاديث فقد صرح بالنسب وللناس في ذلك مذهبان فبعض يقول بالتأويل إذ الإنقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للإنقباض وجوز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناء على ما روى أنهم قالوا : ما يستحيي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت وبعض وأنا والحمد لله منهم لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة وقرأ الجمهور يستحيي بياءين والماضي إستحيا وجاء أستفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد كاستأثر وقرأ إبن كثير في رواية وقليلون بياء واحدة وهي لغة بني تميم وهل المحذوف اللام فالوزن ستفع أو العين فالوزن يستفل قولان : اشهرهما الثاني وهذا الفعل مما يكون متعديا بنفسه وبالحرف فيقال : إستحييته وإستحيت منه والآية تحتملهما والضرب إيقاع شيء على شيء وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء يظهر أثره في غيره فمعنى يضرب هنا يذكر وقيل : يبين وقيل : يضع من ضربت عليهم الذلة و ما أسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام ويسد طرق التقييد وقد يفيد التحقير أيضا كأعطه شيئا ما والتعظيم كالأمر ما جدع قصير أنفه والتنويع كأضربه ضربا ما وقد تجعل سيف خطيب والقرآن أجل من أن يلغى فيه شيء وبعوضة إما صفة لما أو بدل منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدل من مثلا أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة أو مفعول

الصفحة 206