كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أو لضربه المفهوم من أن يضرب وقيل : لترك الإستحياء المنقدح مما مر وقيل : للقرآن والحق خلاف الباطل وهو في الأصل مصدر حق يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب أو ثبت وقال الراغب : أصله المطابقة والموافقة ويكون بمعنى الموجد بحسب الحكمة والموجد على وفقها والإعتقاد المطابق للواقع وقيل : إنه الحكم المطابق ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب بإعتبار إشتماله على ذلك ولم يفرق في المشهور بينه وبين الصدق إلا أنه شاع في العقد المطابق والصدق في القول كذلك وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم وتعريفه هنا إما للقصر الإدعائي كما يقالهذا هو الحقأو لدعوى الإتحاد ويكون المحكوم عليه مسلم الإتصاف و من ربهم إما خبر بعد خبر أو حال من ضمير الحق و من لإبتداء الغاية المجازية والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله تعالى به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله سبحانه نزلنا على عبدنا وأما الكفرة المنكرون لجلاله المتخذون غيره من الأرباب فالله عز أسمه هو المناسب لحالهم ويحذركم الله نفسه وقيل : في ذلك مع الإضافة إلى الضمير تشريف وإيذان بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم والجملة سادة مسد مفعولي يعلمونعند الجمهور ومسد الأول والثاني محذوف عند الأخفش أي فيعلمون حقيته ثابتة
وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا لم يقل سبحانه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليقابل سابقه لما في هذا من المبالغة في ذمهم واتنبيه بأحسن وجه على كمال جهلهم لأن الإستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة ومن قال للمسك أين الشذا يكذبه ريحه الطيب قيل : ولم يقل سبحانه هناك وأما الذين آمنوا فيقولون إلخ إشارة إلى أن المؤمنين أكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الأسرار لأنه كأخفاء الجمر في الحلفاء وقيل : إنيقولونلا يدل صريحا على العلم وهو المقصود والكافرون منهم الجاهل والمعاند فيقولون إلخ أشمل وأجمع و ماذا لها ستة أوجه في إستعمالهم الأول أن تكون ما إستفهامية في موضع رفع بالإبتداء وذابمعنى الذي خبره وأخبر عن المعرفة بالنكرة هنا بناء على مذهب سيبويه في جوازه في أسماء الإستفهام وغيره يجعل النكرة خبرا عن الموصول الثاني أن تكون ماذا كلها إستفهاما مفعولا لأراد وهذان الوجهان فصيحان أعتبرهما سائر المفسرين والمعربين في الآية والإستفهام يحتمل الإستغراب والإستبعاد والإستهزاء ظلمات بعضها فوق بعض الثالث أن يجعل ما إستفهامية وذا صلة لا إشارة ولا موصولة الرابع أن يجعلا معا موصولا كقوله
دعى ماذا علمت سأتقيه
الخامس أن يجعلا نكرة موصوفة وقد جوز في المثال السادس أن تكون ما إستفهامية وذا اسم إشارة خبر له
والإرادة كما قاله الراغب : منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل وجعل أسما لنزوغ النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ثم يستعمل مرة في المبدأ وهو نزوغ النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي إلخ وإرادة المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو إستعمال آخر ولسنا بصدده وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه لأنها قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذات والإنسان قد يريد الدواء البشع ولا يشتهيه ويشتهي اللذيذ ولايريده إذا علم فيه هلاكه وقد يشتهي ويريد وللمتكلمينأهل الحق وغيرهمفي تفسيرها مذاهب فالكلبي والنجار وغيرهما على

الصفحة 208