كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وفيه لغات تخفيف الواو مفتوحة وحذفها في الشعر وتشديدها لهمدان وتسكينها لأسد وقيس و هو عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبىء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة و هو اسم مركب من حرفين الهاء والواو والهاء أصل والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مدارا لذكرهم وسراجا لسرهم وهو جار مع الأنفاس ومسماه غائب عن الحدس والقياس وفي جعل الضمير مبتدأ والموصول خبرا من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والإنتفاع أي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالإستدلال والإعتبار واستدل كثير من أهل السنة الحنفية والشافعية بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع وعليه أكثر المعتزلة واختاره الإمام في المحصول والبيضاوي في المنهاج
واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع ك إن أسأتم فلها وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الإختصاص النافع وبأن المراد النفع بالإستدلال وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر وقال قوم بالوقف لتعارض الأدلة عندهم واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعا خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا ويرده أنها تدل على أن الكل للكل ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب فهناك شبه التوزيع والتعيين يستفاد من دليل منفصل ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه الساليكوتي و ما تعم جميع ما في الأرض لأنفسها إذ لا يكون الشيء ظرفا لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر العرش المحيط أو تجعل الجهة اعتبارية نعم قيل تعم كل جزء من أجزاء الأرض فإنه من جملة ضروراتها ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول بأن الكلام على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض والأرض لا أرضى به وبعضهم لم يتكلف شيئا من ذلك واستغنى بتقدم الإمتنان بالأرض في قوله تعالى وجعل لكم الأرض فراشا و جميعا حال مؤكدة من كلمة ما ولا دلالة لهما كما ذكره البعض على الإجتماع الزماني وهذا بخلاف معا وجعله حالا من ضمير لكم يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الإمتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالا من الأرض أيضا ثم استوى إلى السماء أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد قاله الربيع أو قصد إليها بإرادته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوى على شيء قاله الفراء وقيل استولى وملك كما في قوله ... فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر ...
وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون إلى بمعنى على وأيضا الإستيلاد مؤخر عن وجود المستولى عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود ولا يخفى ما فيه والمراد بالسماء الإجرام العلوية أو جهة العلو وثم قيل للتراخي في الوقت وقيل لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك فذهب بعض إلى تقدم خلق السموات لقوله تعالى أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها