كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه فهو العماد المعنوي للسماء والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه ولما كان هذا الأسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم والله سبحانه الفعال لما يريد ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي القيام ضيق والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز و جل وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة لأن هذه المعاملة تشبهها أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الألهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم وكان هذا القول على ماذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة ومن عمر العالم الطبيعي المفيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول هو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد وقرأ زيد بن علي خليقة بالقاف والمعنى واضح قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء إستكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس إستفهاما عن نفس الجعل والإستخلاف لأنهم قد علموه قبل فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا بإعتبار ذاته بل بإعتبار حكمته ومزيل شبهته أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية وقيل : إستفهام محض حذف فيه المعاد لأي أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد وجعله بعضهم منالجملة الحالية أي أتجعل فيها كذا ونحن نسبح بحمدك أم نتغير وأختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه والأدب يسكتنى عنه وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لإعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم ومن العجيب أن مولانا الشعراني وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معلالا له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة وقال : إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الإستواء فعليه لا يبعد الإعتراض ممن كان في الأرض والعياذ بالله تعالى ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم وعندي أن ذلك غير صحيح وقيل : إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدودا في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل واحد منهم والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الأفراط في الفساد ولم يكرره بعد للإكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى و السفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية و الدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه مسموعان وأصله فعل أو فعل والمراد بها المحرمة بقرينة المقام وقيل : الإستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه بينها وقرأ إبن أبي عبلةيسفكبضم الفاء ويسفك من أسفك وبالتضعيف من سفك وقرأ إبن هرمز بنصب الكاف وخرج على النصب في جواب الإستفهام وقريء على البناء للمجهول والراجع إلى من حينئذ سواء جعل موصولا أو موصوفا