كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

والضمير لها بلا تكلف وإليه ذهب مكي والمهدوي ويرد عليه أن أنبئوني بأسماء هؤلاء يدل على أن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات لا عن نفسها وإلا لقيل : أنبئوني بهؤلاء فلا بد أن يكون المعروض غير المسئول عنه فلا يكون نفس الأسماء ومعنى عرض المسميات تصويرها لقلوب الملائكة أو إظهارها لهم كالذر أو إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالا وسؤالهم عما لا بد لهم منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالا أيضا وإلا فالتفضيل لا يمكن علمه لغير اللطيف الخبير فكأنه سبحانه قال : سأوجد كذا وكذا فأخبروني بما لهم وما عليهم وما أسماء تلك الأنواع من قولهم : عرضت أمري على فلان فقال لي كذا فلا يرد أن المسميات عند بعض أعيان ومعان وكيف تعرض المعاني كالسرور والحزن والجهل والعلم وعندي أن عرض المسميات عليهم يحتمل أن يكون عبارة عن إطلاعهم على الصور العلمية والأعيان الثابتة التي قد يطلع عليها في هذه النشأة بعض عباد الله تعالى المجردين أو إظهار ذلك لهم في عالم تتجسد فيه المعاني وهذا غير ممتنع على الله تعالى بل إن المعاني الآن متشكلة في عالم الملكوت بحيث يراها من يراها وما أحاط خبرا بعالم المثال لم يستبعد ذلك وقيل : إنهم شهدوا تلك المسميات في آدم عليه السلام وهو المراد بعرضها وتزعم أنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر وقرأ أبي ثم عرضها وعبدالله عرضهن والمعنى عرض مسمياتها أو مسمياتهن وقيل : لا تقدير
فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء تعجيز لهم وليس من التكليف بما لا يطاق على ما وهم وفيه إشارة إلى أن أمر الخلافة والتصرف والتدبير وإقامة المعدلة بغير وقوف على مراتب الإستعدادات ومقادير الحقوق مما لا يكاد يمكن فكيف يروم الخلافة من لا يعرف ذلك أو من لا يعرف الألفاظ أنفسها ! هيهات ذلك أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق وعندي أن المراد إظهار عجزهم وقصور إستعدادهم عن رتبة الخلافة الجامعة للظاهر والباطن بأمرهم بالأنباء بتلك الأسماء على الوجه الذي أريد منها والعاجز عن نفس الأنباء أعجز عن التحلي المطلوب في ذلك المنصب المحبوب كيف الوصول إلى سعاد ودونها قلل الجبال ودونهن حتوف الرجل حافية وما لي مركب والكف صفر والطريق مخوف والأنباء في الأصل مطلق الأخبار وهو الظاهر هنا ويطلق على الأخبار بما فيه فائدة عظيمة ويحصل به علم أو غلبة ظن وقال بعضهم : إنه إخبار فيه إعلام ولذلك يجري مجرى كل منهما وأختاره هنا على ما قيل للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها وهذا مبني على أن النبأ إنما يطلق على الخبر الخطير والأمر العظيم وفي إستعمال ثم فيما تقدم والفاء هنا ما لا يخفى من الإعتناء بشأن آدم عليه السلام وعدمه في شأنهم
وقرأ الأعمش أنبئوني بغير همز إن كنتم صادقين 13 أي فيما أختلج في خواطركم من أني لا أخلق خلقا إلا أنتم أعلم منه وأفضل وهذا هو التفسير المأثور فقد أخرج إبن جرير عن إبن عباس رضي الله عنهما أن الملائكة قالوا : لن يخلق الله تعالى خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم وفي الكلام دلالة عليه فإن ونحن نسبح إلخ يدل على أفضليتهم وتنزيه الله تعالى وتقديسه أو تقديسهم أنفسهم يدل على كمال العلم أيضا وقيل : إن المعنى إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أحق بالإستخلاف أو في إستخلافهم لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من الشرائط السابقة وليس هذا من المعصية في شيء لأنه شبهة أختلجت وسألوا عما يزيحها وليس بإختياري ولا يرد

الصفحة 225